الكابوس التركي بات يتمثّل في عدم تراجُع أردوغان عن موقفه تجاه الاقتصاد أو فيما يخُص الولايات المتحدة

عمر تاسبينار

الواقع أن الأمر يعتمد على تقديرك الشخصي إذا ما رأيت أن رجب طيب أردوغان يتسم بالعبقرية السياسية ويملك نظرة ثاقبة فيما يتعلّق بالتوقيت الانتخابي، أو أن ترى أن تركيا تتعرّض لأسوأ الكوابيس الاقتصادية، وبالنسبة لأردوغان فإن السياسة هي طوق النجاة، والواقع انه يتقنها بشدة، فهو يستطيع تكوين أراء صحيحة عن طبائع الناخبين مما دفعه إلى الدعوة لانتخابات مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو، لكن ما أتى عبر صناديق الاقتراع وكان خيراً لأردوغان لم يكُن خيراً لتركيا، والآن؛ وبعد السقوط السريع الذي شهدته الليرة التركية والأزمة المتصاعدة في العلاقات التركية الأمريكية التي أدّت بدورها إلى تهاوي الاقتصاد التركي؛ فإن القادم أسوأ وما حدث لم يكن الا البداية.

ومع وجود أردوغان على رأس القيادة التركية فإن الثقة في سوق المال كانت ولا تزال بعيدة المنال، والواقع أن الأزمة المالية الحالية هي من صنع الرئيس التركي، وهي نتيجة لسياسة الإنفاق الشعبية، وكذا نتيجة للفرضية التي يصعب تبريرها ومؤداها أن أفضل طريقة للقضاء على التضخم تتمثّل في تقليل تكاليف الاقتراض، أضِف إلى ذلك النزعة التي تتملّك أردوغان لإحاطة نفسه بالمنافقين وسيطرته على البنك المركزي، وكانت النتيجة اندلاع أزمة مالية واقتصادية تعود أسبابها وجذورها لاردوغان ذاته.

لكن ما هو الدور الذي لعبه تدهور العلاقات التركية الأمريكية فيما يتعلّق بتأجيج تلك الأزمة؟، وكي نكون منصفين فقد اعتاد كل من أردوغان ودونالد ترامب على أن يكونا ثنائياً منسجماً، كما ألمح إلى ذلك الرئيس الأمريكي ذاته، وقد قام ترامب على الملأ بإعطاء دفعة لأردوغان وأثنى على الرئيس التركي بشدة خلال قمة حلف شمال الأطلنطي (ناتو) التي عُقِدت الشهر الماضي، ولسخرية القدر، فإن ذات القمة شهدت محادثة قصيرة كانت بمثابة غرس بذور التوتُر في العلاقات الأمريكية التركية، وقد ظن ترامب بوضوح أن أردوغان وعد بإطلاق سراح القس الامريكي “أندرو برانسون” المُحتجز في تركيا بناء على اتهامات مشكوك فيها مقابل قيام واشنطن بدعم أنقرة في محاولات إطلاق سراح أحد المحتجزات الأتراك في إسرائيل والذي قد حكم عليها بالسجن لقيامه بدعم حركة حماس.

لكن حين أوفى ترامب بالوعد ولم يفعل أردوغان؛ بدأت موجة من الغضب.

والواقع أن إطلاق سراح برانسون المُحتجز في تركيا يعُد بمثابة قضية رئيسية للمجتمع الإنجيلي الذي يتمتّع بالقوة في الولايات المتحدة، وترامب يحتاج كل دعم ممكن من اليمين المسيحي كي يجهض محاولات الديمقراطيين للحصول على الأغلبية في انتخابات الكونجرس المقرر لها نوفمبر القادم، وبعد عاصفة من التغريدات الغاضبة التي طالب فيها ترامب أنقرة بالإفراج فوراً عن أندرو برانسون؛ حدث ما لم يكُن من الممكن تصوره، فقد قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات سياسية وتجارية على تركيا.

وقد تم اعتبار وزيري الداخلية والعدل التركيين من “كأشخاص محظور التعامل معهم” حيث تم منع هؤلاء من العمل مع الأمريكيين، كما أنه غير مسموح لهم بالوصول إلى الأصول المالية في الولايات المتحدة، والأسوأ من ذلك؛ فحينما هوت الليرة التركية بنسبة 15% خلال الجمعة الماضية أعلن ترامب عن مضاعفة الرسوم الجمركية على الحديد والألومنيوم مما أدّى إلى زيادة انخفاض قيمة الليرة التركية، (فيما اعتُبِر بمثابة مهزلة غير معقولة فقد قيل أن ترامب أراد معاقبة تركيا عبر تخفيض الليرة من أجل الحصول على ميزة تجارية غير منصفة).

والظن حتى الآن هو أن الشراكة الأمريكية التركية كبيرة وهامة بما يحول دون فشل تلك الشراكة، وأنقرة هي عضو في حلف الناتو تستضيف على أراضيها قاعدة عسكرية أمريكية تحوي أسلحة نووية، وكثيرا ما استعانت تركيا بالاستخبارات الأمريكية بشكل منتظم خلال حربها على الإرهاب، ولم يكُن من المتصور انضمام تركيا لقائمة الدول التي تفرض واشنطن عقوبات عليها مثل إيران وكوريا الشمالية وروسيا، والحقيقة أن أنقرة باتت عضواً في تلك القائمة.

والوقوف في الجانب الأمريكي المعاكس سيكون بالضرورة ضد المصالح التركية، وبينما تناقص الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي التركي فإن ديون القطاع الخاص زادت عن 250 مليار دولار خلال العام الحالي، والواقع ان هروب المستثمرون الأجانب وارتفاع نسبة التضخم، وانهيار الليرة يهدد بإحداث أزمة في المدفوعات مما سيؤدي إلى إفلاس عدد كبير من الشركات، والنتيجة ستكون ارتفاع نسبة البطالة وزيادة التراجُع الاقتصادي، وبمجرد حدوث هذا، لن يجد أردوغان أمامه من خيارات سوى طلب الدعم من صندوق النقد الدولي، حيث من الممكن لواشنطن حينها ممارسة نفوذها عبر استخدام الفيتو.

وبالطبع فإن هناك خطوات إذا ما أقدم عليها أردوغان بشكل فوري من الممكن لها تجنيب أنقرة هذا المصير، ويجب إعفاء البنك المركزي التركي من التدخلات السياسية، والسماح للبنك المركزي فوراً برفع معدلات الإقراض بنسبة تتراوح بين 5% و10%، ويجب على أردوغان الإعلان عن ميزانية طارئة بغرض ترشيد الإنفاق، وكذا الإعلان عن وقف العمل بجميع المشروعات الكبرى، لكن ما هو الوضع إذا ما كانت تلك الخطوات غير كافية، وهناك احتمال كبير أنها غير كافية، فمن الممكن لتركيا الإفراج عن القس الأمريكي أندرو برانسون وتقديم غصن زيتون إلى واشنطن من أجل تجنُب عقوبات اقتصادية جديدة وإرسال رسالة إلى الأسواق مفادها أن الأسوأ لو تحقّق فعلاً فإن إبرام أنقرة صفقة مع صندوق النقد الدولي سيكون خطوة غير مرحب بها من قِبل واشنطن.

لكن فيما يتعلّق بتلك النقطة أيضاً فإن أردوغان غير معروف عنه سياسة التراجُع

وعبر مقال له نشرته صحيفة نيويورك تايمز ألقى أردوغان باللوم على واشنطن وقال أنها من تسببت في المتاعب لانقرة، وأعلن أن بلاده مستعدة للعثور على شركاء استراتيجيون جدد، ويعتقد أردوغان خاطئاً أن روسيا أو الصين أو قطر من الممكن لها إنقاذ أنقرة، وفي الواقع لا توجد دولة من تلك الدول الثلاث تملك القوة لإنقاذ أردوغان من نفسه، أما الناخبين الذين منحوا أردوغان انتصاراً مدوياً في يونيو الماضي فربما لا يكونوا قد تصوروا الطريق الذي من الممكن أن يأخذهم إليه أردوغان، واليوم؛ فإن العناد السياسي الذي يمارسه أردوغان خبير السياسة سيؤدي إلى خلل في المعتقدات الاقتصادية السائدة، فلو كسب أردوغان ستخسر تركيا بالكامل، فضلاً عن توقُع المزيد من الاضطرابات في المستقبل.

“عمر تاشبنار” زميل بارز بمعهد بروكينغز، ويعمل أستاذاً في استراتيجية الأمن القومي بجامعة الدفاع الوطني بواشنطن.

AFP PHOTO/OZAN KOSE