قرية تركيا الزراعية من العصر الحجري الحديث – نافذة ومرآة

الكسندرا دي كرامر

Image courtesy of Wikipedia Commons

فرضت الكنوز الأثرية المكتشفة في قرية كايونو من العصر الحجري الحديث، والتي تقع على بعد 40 كيلومترا شمال غرب ديار بكر الحديثة في جنوب شرق تركيا، بعض التحديات على النظريات السابقة حول المجتمعات الزراعية في عصور ما قبل التاريخ، كما تُعلمنا تلك الاكتشافات الحديثة بعض الأشياء عمن نكون.

وقد نشر عالم الآثار الأمريكي ورئيس المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو “روبرت بريدوود “فرضية مفادها أن انتقال البشرية إلى المرحلة الزراعية لم يحدث في أسفل بلاد ما بين النهرين كما يعتقد الكثيرون، ولكن في منطقة جبال طوروس، أي فيما يعرف اليوم بجنوب تركيا، وقال “بريدوود” أنه تحديد مهد الحضارة الإنسانية لم يكن صحيحا.

وأطلق بريدوود مشروعا مشتركا بين جامعتي شيكاغو واسطنبول لاختبار فرضيته، وشاركت في تأسيس ذلك المشروع “هالت كامبل” وهي واحدة من أوائل عالمات الآثار في تركيا، ووضع الفريق أنظاره على موقع “قوبكتب”  وهو مكان لممارسة الطقوس من العصر الحجري الحديث واستخدمه الصيادون وجامعو الثمار بين 9600 و 8200 قبل الميلاد، والذي أكتشف بعد فترة وجيزة من اكتشاف “تل كايونو“.

ويعتقد أنه كان مأهولا بالسكان من 10200 إلى 4200 قبل الميلاد، وتم اكتشاف التل الذي تبلغ مساحته 4500 متر مربع في عام 1963، لكن الاضطرابات السياسية في المنطقة أدت إلى توقف الحفر في عام 1991، وبعد توقف دام أكثر من عقدين، استؤنف العمل في عام 2015 تحت إشراف عالمة الآثار فاطمة أسلي إريم أوزدوغان.

ويساعد الموقع اليوم الذي أسسه (بريدوود وكامبل)، الخبراء على إعادة التفكير في مسار البشرية من مرحلة الصيد وجمع الثمار إلى حياة الزراعة القروية منذ أكثر من 10000 عام، ومن المقرر أن يصبح الموقع متحفا مفتوحا في عام 2025.

وكان الفهم القديم لما يعتبر العصر الحجري الحديث مختلفا في حقبة الستينات عما هو عليه اليوم، حيث اعتقد علماء الآثار في ذلك الزمن أن المنحوتات التي وجدوها كانت أطلال لموقع من الرومان. ولكن وضع اختراع معرفة العمر عن طريق التحليل الكروبوني المشع نهاية لذلك النقاش، وساعدت البيانات التي تم جمعها من كلا الموقعين قوبكي تيبي و كانيون في إعادة تعريف خصائص العصر الحجري الحديث.

وانضمت أوزدوغان إلى عمليات الحفر على ضفاف نهر الفرات في عام 1976، وبعد ذلك بعامين، كانت بجانب كامبل في كايونو، لتفحص رمال حوض نهر دجلة، وأكدت أوزدوغان في حديثها في شهر أكتوبر 2021  أن ما لا يزال يجعل كانيون فريدة من نوعها هو الخبرة العالمية التي جذبها الموقع.

وعلى عكس الحفريات الأثرية الأخرى في ذلك الوقت، كان التنقيب في كايونو جهدا تعاونيا، حيث جذب المواهب من جميع أنحاء العالم. وأدى ذلك إلى العديد من الاختراعات الأثرية، بما في ذلك اختراع سلم خاص سمح لعلماء الآثار بالتقاط صور علوية للموقع، قبل عقود من قيام الطائرات بدون طيار بتسهيل تلك المهمة.

كما مكنت العديد من الاكتشافات المهمة، حيث قدمت عالمة الحيوانات القديمة الأمريكية باربرا لورانس فرضية أن أول تدجين للخنازير كان في كايونو، وهي فكرة تم دعمها لاحقا من خلال عمل تلميذها ريتشارد ميدو.

وتتبع ويليم فان زيست، مؤسس معهد باليبوتاني في جامعة جرونينجن في هولندا، أول زراعة بشرية للقمح والعدس والحمص إلى كايونو.

وأجريت دراسات علم المعادن من قبل روبرت مادين، الذي ترأس قسم المعادن في جامعة بنسلفانيا، واكتشاف مادين لأدوات نحاسية عمرها 9000 عام والتي تعد أقدم الأشياء المطروقة والمصهورة التي نعرفها، وسهل قرب كايونو من مناجم النحاس في ارقاني ذوبان النحاس والعمل عليه، ويعد ارقاني موطن أقدم رواسب النحاس في العالم .

وقامت أوزدوغان وفريقها ببعض الاكتشافات بأنفسهم، وساعد أحد اكتشافاتهم الأولى في عام 2015 في تأكيد أول استخدام بشري لشمع العسل للأغراض المنزلية.

وأهم الهياكل في كايونو هي مبنى الجمجمة، الذي يضم مذبحا من الحجر الجيري وبقايا أكثر من 400 جثة، وتيرازو نحاسي مصهور ومزين بالحجارة المضغوطة في قاعدة أسمنتية، وكلاهما دليل على نمط حياة يشبه القرية في كايونو.

ويعد مبنى الجمجمة بالغ الأهمية، حيث تكشف بيانات نظائر الدم التي تم جمعها في الموقع عن وجود بعض أنواع الماشية المنقرضة، وهي أول عينات دم يتم جمعها على الإطلاق من فصيل منقرض.

كما كشف مبنى الجمجمة عن أصول وأنساب سكان المنطقة، على سبيل المثال، نعلم الآن أن ستة من العظام البشرية كانت لبشر أكبر سنا من 40 عاما وكان أكبرهم يبلغ 63 عاما، وفي حين أن الممارسات الطقوسية للقرويين لا تزال لغزا ، فإن الأجزاء الصغيرة من المعلومات التي لدينا تقدم أدلة على التعقيد الثقافي لكايونو.

وكشفت الأبحاث التي أجرتها جامعة “حجة تبة” التركية في الشهر الماضي أن سكان كايونو كانوا من أصول مختلطة، حيث انحدروا من شرق وغرب الهلال الخصيب، أي كانت بوتقة انصهار من العصر الحجري الحديث للعائلات البيولوجية التي استقبلت المهاجرين وقبلتهم، على عكس الحاصل في أعظم مدننا اليوم.

مارس سكان كايونو، وهي أقدم قرية زراعية معروفة في تاريخ البشرية، طقوسا معقدة وأكلوا أطعمة متنوعة ونقلوا التقاليد إلى أطفالهم التي لا يمكننا إلا أن نخمنها. لكنهم يشتركون معنا أيضا في العديد من السمات والمعتقدات التي ما زلنا نقدرها ونثمنها اليوم، مثل الابتكار، والتواضع، والقبول، والوحدة.

لقد تغير الكثير منذ أن كانت كايونو مجتمعا زراعيا صاخبا ويعج بالحياة عند سفح جبال طوروس، ولحسن الحظ، بعض الأشياء لم تتغير بعد.

 

ألكسندرا دي كرامر صحفية مقيمة في اسطنبول. كتبت عن الربيع العربي من بيروت كمراسلة للشرق الأوسط لصحيفة ميليت، وتتراوح أعمالها من القضايا الحالية إلى الثقافة، وقد ظهرت في مونوكل ومجلة كوريير وميزون فرانسيز واسطنبول آرت نيوز.