التوغل التركي في سوريا يدفع الاتحاد الأوروبي والأكراد إلى إعادة التفكير في العلاقة الودية بينهما

فيصل اليافعي

AFP Photo: David Gannon

وكأنه ما من شيء في شمال غرب أوروبا يهيمن على نقاشات أعضاء الاتحاد الأوروبي، إلا أن الاتحاد الأوروبي بات الآن مضطر إلى إعادة النظر في علاقاته مع دول جنوب شرق القارة الأوروبية. وفي غضون أيام، حدث تغيرًا مفاجئًا وسريعًا في خريطة شمال سوريا. وفي غضون بضعة أيام قاسية، منذ أن أعلن الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، عن قراره غير المتوقع بإجلاء القوات الأمريكية، قصفت تركيا مواقع للأكراد بالمدفعية، وعبر الثوار السوريون الحدود إلى المناطق التي كان الأكراد السوريون يسيطرون عليها في وقت سابق.

إن سرعة التوغل التركي وشدته، إلى جانب الشعور بالتخلي والذي أصاب حلفاء الغرب من الأكراد، هو ما أجبر العديد من الدول الأوروبية على إعادة تقييم علاقتها مع تركيا. وقد اتخذت بعض الدول الغربية فعليًا قرارًا بوقف الصادرات العسكرية. وبالنسبة للأصوات الأوروبية الغاضبة، فلا يوجد حاليا أي بديل للوضع الراهن.

وكان الاتحاد الأوروبي له أسبابه المقنعة للغضب من تركيا، حتى قبل وقوع الغزو التركي. فهناك عمليات الحفر المثيرة للجدل قبالة ساحل قبرص، والحصول على نظام الدفاع الصاروخي الروسي الصنع، وهو ما أدى إلى توترت علاقة تركيا مع الاتحاد الأوروبي. غير أن الاستيلاء السريع والمفاجئ على المناطق الكردية الواقعة على الحدود السورية قد تسبب في إمكانية حدوث كارثة مريعة.

أولاً، على الصعيد الإنساني، وتتمثل في فرار الأكراد المدنيين إلى مناطق الجنوب. وثانيًا، هناك مخاطر أمنية بسبب إخلاء معسكرات الاعتقال الكردية والتي تحتوي على مقاتلين تنظيم الدولة الإسلاميةداعش“. وثالثًا، هناك كارثة عسكرية محتملة مع فتح جبهة جديدة في الحرب السورية، وذلك مع تحرك قوات النظام السوري نحو المناطق الكردية، والدخول في مواجهة محتملة مع تركياوهي المواجهة، كما أشار وزير الشئون الخارجية في حكومة لوكسمبورغ هذا الأسبوع، التي قد تضم منظمة حلف شمال الأطلسي إذا فعلت تركيا، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي، المادة الخامسة من بند الدفاع المشترك.

ويعيش الاتحاد الأوروبي مأزقًا. وقد يرى الاتحاد الأوروبي السلوك التركي مهينًا، ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يشعر بالامتنان لتركيا على تصديها لأزمة المهاجرين. وفي العلن، تريد أوروبا إرسال رسالة. وسرًا، تدرك أوروبا أنها لا تستطيع فعل الكثير. ولا شك أن هناك بعض الكلمات القاسية، ولكن في الوقت الحالي، لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفعل الكثير سوى القبول بالتصرفات التركية، لأن أي تغيير حقيقي سيضر بالأوربيين أكثر من تركيا.

ولنتطرق إلى مسألة حظر الأسلحة: فمنذ نهاية الأسبوع الماضي، علقت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وفنلندا ودول أخرى مبيعات الأسلحة إلى تركيا. ورغم أن عناوين الصحف تشير إلى تنفيذ هذا التهديد، إلا أن التفاصيل تقص الحقيقة، وهي أن الاتحاد الأوربي علق مبيعات الأسلحة الجديدة، لكنهم ملتزمون بصفقات البيع السابقة، والتي تمتد بعضها إلى سنوات عدة.

علاوة على ذلك، من المؤكد أن فرض حظر حقيقي على الأسلحة على مستوى الاتحاد الأوروبي لن يخدم مصالح دول الاتحاد. وفي حين أنهم قد يتأهبون لتقلي ضربة مؤقتة لأغراض سياسية، هناك أسباب اقتصادية قوية تدفعهم لعدم إطالة أمد أي حظر محتمل. فإيطاليا هي أكبر بائع للأسلحة إلى تركيا؛ وتذهب حوالي ثلث صادرات الأسلحة الألمانية إلى أنقرة، وتصدر فنلندا أسلحة إلى تركيا أكثر من أي مكان آخر. ومن السهولة بمكان أن تتراجع كل بلدٍ على حدة عن التعليق المؤقت لصفقات الأسلحة، بشرط أن تغير تركيا مسارها؛ لأن الحظر الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي قد يطول أمده.

كما أن العقوبات الأخرى المقترحة ليست مستحبة كذلك. ولا يشكل تباطؤ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي تهديدًا؛ لأن المسألة يشوبها الجمود على أي حال. وفي حالة طرد تركيا من حلف الناتوبناء على طرح السياسيون من حلف الأطلسيسيكون أمرًا صعبًا، لأن قواعد الناتو تنص على انه يتعين ان توافق أنقرة على طردها من حلف شمال الأطلسي.

وفي النهاية، لا يمتلك الاتحاد الأوروبي سوى عدد قليل جدًا من خيوط اللعبة، في حين تمتلك تركيا الورقة الرابحة: وهي صفقة عام 2016، والتي منعت عن أوروبا تدفق الكثير من اللاجئين والمهاجرين إليها. وكان رد الرئيس رجب طيب أردوغان على تهديدات الاتحاد الأوروبي ردًا عدائيًا في طبيعته. حيث هدد أردوغان شخصياً بـفتح البوابات وإرسال 3.6 مليون لاجئ إلى أوروبا، إذا لم يخف الاتحاد الأوروبي من انتقاده للحملة التركية في سوريا.

لقد اضطر الأكراد السوريون أيضًا على إعادة النظر في تحالفاتهم، على الرغم من اتخاذ هذا القرار في خضم المعركة، وليس في الأجواء الممطرة في بروكسل.

وبعد الرحيل المفاجئ للقوات الأمريكية، والقصف المستمر من الجانب التركي، اقتنعت الميليشيات الكردية بأنها لا تستطيع السيطرة على الأراضي وحدها ضد الجيش التركي. ومن ثم حدث اتفاق سريع مع دمشق والذي يسمح للنظام السوري بالعودة إلى مدينتي كوباني ومنبيج الحدوديتين. وفي الواقع، هناك مناقشة لتفاصيل هذه الصفقة، بوساطة روسية، منذ يناير على الأقل، ولكن يبدو أنها توقفت بسبب مطالب الأكراد بالاحتفاظ بسيطرتها على الميليشيات الكردية. ولقد أدى توغل تركيا إلى تسوية الصفقة، والآن ستندمج الميليشيات الكردية في جيش الأسد.

وتماما مثل أوروبا، لا يمتلك الأكراد السوريون أي خيارات. فبدون الولايات المتحدة، لم يتبقى أمام الأكراد سوى التوجه إلى النظام. وبعد سبع سنوات، وصلت خطة الحكم الذاتي في شمال شرق سورياالاستقلال الذاتي المكتسب من خلال التضحية الهائلة، وحتى على حساب العلاقات مع السوريين الآخرينإلى نهاية مفاجئة. ولكن في مواجهة التوغل التركي الحتمي، أدرك الأكراد السوريون، مثلهم مثل الاتحاد الأوروبي، أن عليهم العودة إلى الوضع الراهن.

يؤلففيصل اليافعيحاليًا كتابا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. كما عملفيصللدى وكالات أنباء مثلالجارديانوبي بي سي، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.