خيبة تركيا من الولايات المتحدة في المعترك السوري تحفز شراكة تكتيكية مع موسكو

عمر تاسبينار

كثيراً ما يتساءل المحللون الذين يتابعون المسار التعاوني غير المتوقع بين تركيا وروسيا وإيران في سوريا عما إذا كانت أنقرة قد انتهجت مساراً جديداً في سياستها الخارجية. هل شراكة تركيا الجديدة مع روسيا وإيران مجرد خطة تكتيكية لأن هاتين القوتين هما اللتان توجهان دفة الأمور في سوريا؟ أم أن أنقرة تبحث بالفعل عن بدائل استراتيجية لمنظمة “حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”)؟ لقد أجاب أخيراً الباحث ومحلل السياسة الأمريكية الخارجية البارز والتر راسل ميد على السؤال الثاني بالنفي الصريح، إذ يرى أن “الشراكة الروسية-الإيرانية التي تهيمن على سوريا وتقلب موازين القوة الإقليمية حالياً هي كابوس أصبح حقيقة بالنسبة لتركيا، ويدرك القادة الأتراك أن بلدهم لا يستطيع مواجهة هذا التحول دون الدعم الأمريكي”. ويبدو ميد متفائلاً بخصوص قدرة واشنطن على رأب الصدع مع تركيا.

إلا أن الحقائق على الأرض تشير إلى واقع مختلف، فموجة معاداة الولايات المتحدة التي تشهدها تركيا مؤخراً تتميز بنطاق أوسع من نظيراتها السابقة، ويُحتمل أن تكون عملية إعادة العلاقات التركية-الأمريكية إلى مجراها تحدياً مستعصياً في ظل تفشي الهيجان القومي المعادي للغرب في كل من الجهاز السياسي والرأي العام التركيين. وتُظهِر معظم استطلاعات الرأي أن ما يناهز 80 في المائة من الأتراك يعتبرون الولايات المتحدة أكبر تهديد للأمن القومي في بلادهم، ويدعم حوالي 90 في المائة منهم الغارة العسكرية التركية في عفرين شمال سوريا. ورغم أن تلك العملية قد انتهت في معظمها الآن، لا زال احتمال تصعيدها إلى مواجهة عسكرية بين تركيا والولايات المتحدة وارداً لأن القوات الخاصة الأمريكية تقوم بتدريب الأكراد السوريين في مدينة منبج التي تقع على مقربة من عفرين.

لطالما كانت معاداة الولايات المتحدة في تركيا مبنية على نظريات المؤامرة، واعتقد القوميون الأتراك لعقود أن أمريكا تعكف على مخططات خفية لدعم القومية الكردية في الشرق الأوسط. وقد شاعت منذ زمن بين الدوائر القومية التركية قصص حول دعم أمريكا العسكري لحزب العمال الكردستاني، وهو حركة انفصالية كردستانية وتعتبره واشنطن منظمة إرهابية. وأصبحت الإشاعات من هذا القبيل مسلَّماً بها كحقائق، أما الآن فقد تحولت نظرية المؤامرة هذه إلى واقع. وفي ظل غياب بديل أفضل، أصبحت قوات “وحدات حماية الشعب” التي تمثل امتداداً لحزب العمال الكردستاني في سوريا الشريك العسكري الرئيسي لأمريكا في ساحة المعركة ضد “داعش”، وهذا يجعل أنقرة ترى أن حليفتها الأمريكية في منظمة “حلف شمال الأطلسي” هي في الواقع داعمة للإرهاب وهو ما يؤكد صحة أسوء نظريات المؤامرة التي تؤجج معاداة الولايات المتحدة.

وفي حين يشكل “حزب العمال الكردستاني” تهديداً وجودياً لتركيا، لا تُعتبر منظمة “داعش” كذلك. في الواقع، يرى الكثيرون في واشنطن أن أنقرة قد تجاهلت المتعاطفين مع منظمة “داعش” لسنوات وأنها دعمت بنشاط الجماعات الإرهابية الجهادية المرتبطة بمنظمة “القاعدة”. وبالإضافة إلى لعبة تبادل الاتهامات هذه بين تركيا وأمريكا، نذكر قضية فتح الله غولن، الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة، الذي تتهمه أنقرة بكونه العقل المدبر وراء الانقلاب الفاشل سنة 2016. هذه العناصر مجتمعة تشكل مزيجاً أكثر سُمِّية. فقد استشاط غضب أردوغان من رفض واشنطن تسليم غولن، ومن غير المفاجئ أن قضية غولن تضفي بعداً تآمرياً على الادعاءات القائلة بأن واشنطن كانت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة. وتمكِّن كل هذه العوامل أردوغان من تأجيج نار المعاداة للولايات المتحدة كجزء من خطابه القومي الشعبوي للفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

والمثير في خضم هذا المد القومي المعادي للأكراد والولايات المتحدة في تركيا هو اعتبار روسيا حليفاً محتملاً في سوريا. وما يبعث على الدهشة هو أن أردوغان ووسائل الإعلام الموالية للحكومة يلتزمون الصمت إزاء التعاون الروسي-الكردي في شمال سوريا، إذ لم يتفوه أحد بكلمة في تركيا عندما ظهر القائد العسكري الروسي في قاعدة الحميميم العسكرية السورية أمام عدسات الكاميرات إلى جانب متحدث باسم “وحدات حماية الشعب” للإعلان عن قيادتهما لعمليات مشتركة ضد قوات “داعش”. وقد وفرت الطائرات الحربية الروسية تغطية جوية لـ”وحدات حماية الشعب” في حين قامت القوات الكردية بحماية نظيراتها الروسية على الجانب الشرقي من نهر الفرات.

لقد كسب دعم روسيا للأكراد السوريين زخماً أكبر بكثير في 2015 بعدما أسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية بسبب اختراقها لمجالها الجوي، حيث شرعت موسكو بعد هذا الحادث بوقت قصير في تزويد قوات “وحدات حماية الشعب” بالأسلحة في غرب سوريا. وفي مارس 2017، وبالرغم من المصالحة بين أنقرة وموسكو، وردت تقارير مفادها أن روسيا كانت تبني منشأة عسكرية في عفرين الواقعة تحت سيطرة الأكراد، حيث كان يُفترض أن يقوم مستشارون عسكريون روسيون بتدريب القوات الكردية، أضف إلى ذلك أن روسيا قدمت الدعم الدبلوماسي لـ”وحدات حماية الشعب”. وفي أواخر السنة الماضية، اقترحت موسكو مسودة دستور لسوريا تضمَّن الحكم الكردي الذاتي، كما قررت روسيا مؤخراً دعوة “حزب الاتحاد الديمقراطي” الذي يمثل الذراع السياسي لـ”وحدات حماية الشعب” لحظور مؤتمر الجماعات الإثنية السورية في سوتشي وأعلنت أن الحزب سيكون طرفاً في محادثات أستانة.

إذن لماذا يلتزم أردوغان الصمت بخصوص هذا التعاون البائن بين روسيا والأكراد؟ يبدو أن أنقرة مترددة في إبعاد كل من روسيا والولايات المتحدة عنها في آن واحد، وعلى الأرجح يرغب أردوغان في توطيد علاقات بلاده مع روسيا حتى يكسب مزيداً من النفوذ في علاقاته مع واشنطن. وفي الوقت الذي ترسخ فيه روسيا قوتها في الشرق الأوسط ويظهر أن إيران تتقدم نحو الانتصار في سوريا، فإنه من الواضح أن أردوغان يعتقد أن صناع القرار الأمريكيين لا يمكنهم تحمل “خسارة” تركيا، فهي لا زالت موطناً لقاعدة جوية أمريكية كبرى وأيضاً لرادارات الدرع الواقي التابع لـ”حلف شمال الأطلسي” والذي يلعب دوراً كابحاً ضد إيران. إن هذه المقومات تزود أنقرة بالنفوذ الذي تحتاجه مع واشنطن. وكالمعتاد، لدى أنقرة قناعة قوية أن واشنطن في حاجة إلى تركيا أكثر مما تحتاج تركيا إلى أمريكا.

وقد أتاحت هذه الظروف الفرصة لأنقرة لشراء أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ من طراز “إس-400” من روسيا. إلا أنه بالرغم من هذه المجاملات التكتيكية، هناك حدود واضحة للمدى الذي يمكن للتعاون التركي-الروسي بلوغه. فبالإضافة إلى المشاكل المحتملة مع موسكو بخصوص الجبهة الكردية في سوريا، يسعى كل من البلدين وراء مصالح متضاربة في مجالات حساسة مثل مستقبل النظام السوري والنفوذ الإيراني في العراق وسوريا وقضية ضم جزيرة القرم في أوكرانيا ودعم روسيا للقبارصة اليونانيين وكذا دعم موسكو لأرمينيا ضد أذربيجان. وخلاصة القول إن هناك اختلافات حقيقية بين تركيا وروسيا، ولهذا تُعد شراكتهما رهينة بأن تبقى تكتيكية صرفة، بعيداً عن التوافق الاستراتيجي بعيد المدى.

في نهاية المطاف، ستتوقف الكثير من الأمور على كيفية تدبير واشنطن لتعاونها الاستراتيجي مع الأكراد السوريين وتحالفها الاستراتيجي مع أنقرة، وستكون هذه مهمة شاقة بالنسبة لوزير الخارجية الأمريكي الجديد.

AFP PHOTO/Alexander NEMENOV