أردوغان يحقق نصرًا زائفًا في واشنطن

عمر تاسبينار

AFP Photo: Jim Watson

استقبل البيت الأبيض يوم الأربعاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحفاوةٍ بالغة. غير أن واجهة تلك العلاقات الجيدة بين البلدين خادعة بشكل كبير. وفي الواقع، فإن أي إحساس بالنصر يمكن أن تدعيه تركيا بعد الزيارة الودية الخارجية مع دونالد ترامب هو وهم. وفي الواقع، هناك اختلاف كبير بين البلدين بشأن القضايا الجوهرية، والرئيسان لا يمتلكان كثيرًا من الأصدقاء.

وسائل الإعلام والرأي العام ومؤسسات الأمن القومي والمشرعون في كلتا البلدين يعادون الدولة الأخرى أشد العداء. وفي أمريكا، أصبحت سمعة تركيا سيئة بين العامة بسبب توغلها العسكري في شمال سوريا. وفي الكونغرس شديد الاستقطاب، ربما يكون الغضب ضد تركيا المسألة الوحيدة العالقة بين الحزبين. وهناك زخم قوي في مجلس الشيوخ لتمرير قانون، والذي وافق عليه بالفعل مجلس النواب قبل أسبوعين، يقضي بفرض عقوبات على الاقتصاد التركي، وقطاع الدفاع بسبب شراء أنقرة لنظام الدفاع الصاروخي الروسي. وفي الواقع، تركزت المحادثات بين ترامب وأردوغان في المكتب البيضاوي حصريًا على هذه القضية المعقدة. وما من شك في أن مشكلة نظام الدفاع الصاروخي S-400 قد حلت محل مشكلة الأكراد في سوريا لتكون المشكلة الرئيسية التي تسمم العلاقات المتوترة بين الدولتين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

وهناك اعتقاد بأن ترامب حاول جاهدًا لإقناع أردوغان بأن يعلن أنه يفعل النظام الصاروخي S-400. وكان حضور أعضاء مجلس الشيوخ البارزين عن الحزب الجمهوري، مثلليندسي غراهام، في الاجتماع، أمرًا غير معتاد، وتذكير صارخ بالدور المتنامي للكونجرس في المسائل المتعلقة بتركيا.

ربما لا يحتاج أردوغان للتذكير. لأنه، وبعد كل شيء، سيعلم جيدًا قانون الإبادة الجماعية للأرمن، والعقوبات المالية والسياسية الصارمة جاءت بتصويت من مجلس النواب بأغلبية ساحقة. وفي حين أعلنغراهامأنه لن يقدم قانون الإبادة الجماعية إلى مجلس الشيوخ، فإنه لم يبدي أي التزام كهذا بخصوص التهديد الأكثر أهمية بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية.

وبنفس القدر من الأهمية، هناك حقيقة أن تركيا أصبحت الآن جزءًا من النقاش الدائر في الأوساط السياسية الأمريكية بشأن عزل ترامب. وفي يوم زيارة أردوغان إلى البيت الأبيض، نشرت كلٌ من واشنطن بوست ونيويورك تايمز قصصًا وافية على صفحتها الأولى تتساءل عن استثمارات ترامب في تركيا. وهناك الآن ضغوط على الديمقراطيين لإدراج تركيا، بالإضافة إلى أوكرانيا، في جلسات الاستماع الخاصة بعزل ترامب. ومن الأمور التي لا يمكن تجاهلها، هو ما قاله جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ترامب، بأن إحجام الرئيس عن معاقبة أردوغان بعد شراء نظام S-400 كان مدفوعًا بمصالح شخصية أو مالية.

إن تلك الديناميات لا تبشر بالخير لرئيسٍ أميركي رحب بأردوغان في اليوم الذي بدأت فيه بث جلسات الاستماع الخاصة بعزله من منصبه.

لذا، وفي حالة ما إذا كان أردوغان يعتقد أن ترامب سيواصل حمايته من غضب المشرعين الأمريكيين، فعليه التفكير مجددًا. ومن ثم، يتعين على أنقرة إعادة تقييم إستراتيجيتها، وتغيير صورتها في واشنطن خارج البيت الأبيض. إن التواصل مع مجلس الشيوخ برسالة مفادها أن أنقرة منفتحة لإعادة النظر في تفعيل النظام الصاروخي S-400، سيكون بداية جيدة.

لكن أردوغان لم يقدم أي التزام من هذا القبيل لأن ما يشغله في الواقع هو عدم إغضاب روسيا بقيادة بوتين وليس التصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا، قد يصب بوتين غضبه سريعًا على تركيا من خلال قصف محافظة إدلب، وبالتالي إطلاق العنان لملايين اللاجئين السوريين الجدد على الحدود التركية. وهناك حقيقة أن تحول الرأي العام التركي إلى معاداة أميركا هو أمر مفيد لأردوغان. وفي نظر الغالبية الساحقة من الأتراك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر تهديد للأمن القومي التركي، وهذا في المقام الأول بسبب دعم واشنطن للأكراد السوريين. وحقيقة أن واشنطن ترفض تسليم الداعية المسلم، فتح الله كولن، والذي يعتبره الكثيرون العقل المدبر لمحاولة الانقلاب الدموية في عام 2016، هي مصدر إزعاج آخر شديد.

علاوة على ذلك، حظي تحدي أردوغان للولايات المتحدة الأمريكية، وقراره بإرسال الجيش التركي لسحق الاتحاد الكردي المزدهر عبر الحدود في سوريا بدعم من الأطياف السياسية بأكملها، بما في ذلك المعارضة العلمانية من يسار الوسط. إن القومية في الحقيقة هي سلاح أردوغان الأقوى، ويستفيد منها أردوغان في تقويض وحدة المعارضة، والتي تتألف من الحلفاء الغرباء، وهم حزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد، وحزب الخير اليميني المناهض للأكراد، وحزب الشعب الجمهوري العلماني الكمالي. إن تعبئة القومية التركية هي أفضل ترياق ضد هذه المعارضة الانتقائية. وبالنظر إلى حالة الاقتصاد التركي، والذي يعاني من ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم المرتفع، والعملة الضعيفة، وارتفاع ديون القطاع الخاص، فإن الحجة القائلة بأن أردوغان بدأ التوغل في سوريا لصرف الأنظار عن مشاكله الداخلية أمر معقول للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المشاعر المعادية لأمريكا شديدة للغاية لدرجة أن أردوغان نفسه كان عليه أن يحسب بعناية إيجابيات زيارته لواشنطن وسلبياتها. وفي الظروف العادية، فإن الأثر التراكمي للرسالة غير الدبلوماسية والشائنة للغاية والتي كتبها ترامب إلى أردوغان (يحذره فيها بألا يكونرجلاً صعب المراس، والإبادة الجماعية للأرمن، والتهديد بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية، يجب أن تقنع أردوغان بتجاهل دعوة ترامب لزيارة إلى البيت الأبيض. واستغل أردوغان بعد ذلك بطاقة الكبرياء الوطنية بإستراتيجية الحشد الداخلي قصير الأجل. حتى أن العديد من النقاد الأتراك زعموا أن أردوغان كان يخطط للدعوة لإجراء انتخابات مبكرة للاستفادة من زخم التوغل السوري.

ومع زيارته إلى البيت الأبيض، اختار أردوغان لعبة النفس الطويل. فهو يريد أن يلعب دور كبير الاستراتيجيين، ورجل الدولة البارع الذي يمكنه التعامل مع روسيا وأمريكا لتحقيق المصالح الأمنية القومية. أو على الأقل هذا ما يتمناه؛ والوقت وحده سيحدد جدوى هذه الإستراتيجية. وفي الوقت الحالي، لا يزال الاقتصاد ضعيفًا، كما أن في العقوبات الأمريكية التي تلوح في الأفق تهديدًا بتحويل احتفاء ترامب بأردوغان انتصارا باهظا.

عمر تاسبينار، أحد كبار الزملاء لدى معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.