تركيا ما بين أردوغان وأهدافه في قضية خاشقجي

عمر تاسبينار

إن رجب طيب أردوغان رجلاً محظوظا ويعلم جيدًا متى يتخذ قراراته. ورغم أن مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول أمرًا مأساويًا، إلا أن الرئيس التركي، أردوغان، رأى أنه يجب على الفور استثمار تلك الفرصة الثمينة، وأنها بمثابة الهدية التي أتت في اللحظة المناسبة.

وكان أردوغان يعيش واقعًا ماليًا واستراتيجيًا صعبًا قبل أن يطفو على الساحة قضية خاشقجي، فعلاقة بلاده مع واشنطن كانت في طريقها إلى الانهيار بسبب القس الأمريكي “أندرو برنسون” والذي يقبع في السجون التركية منذ العام 2016، والليرة التركية في أسوأ حالتها. وبعد القدر غير المسبوق من سياسة لي الزراع التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية مع تركيا وبخاصة فرض عقوبات تجارية عليها، رضخ أردوغان لتلك الضغوط وأفرج عن القس “برانسون”. ورغم تفادي حدوث انهيار تام في العلاقات الثنائية بين البلدين، واستقرار الليرة التركية، فقد مني أردوغان بهزيمة منكرة، ووجد نفسه في مواجهة مع المزاج غير المتوقع والمتهور للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

ولهذا، من المحتمل أن أردوغان يشعر بالسعادة لأن قضية خاشقجي تمنحه في الوقت الراهن نفوذًا أكثر مما هو متوقع في علاقته مع واشنطن، وربما الأكثر الأهمية، في علاقته مع الرياض – عدوه الإقليمي منذ الإطاحة بالإخوان المسلمين في مصر. ويبذل أردوغان قصارى جهده لاستثمار قضية خاشقجي لصالحه. وبعد بعض المحاولات البائسة في بادئ الأمر لتقديم نفسه كمدافع على حرية التعبير – وهو الأمر الذي لم يأخذه أحد على محمل الجد لأن تركيا من بين الدول التي تحمل أسوأ سجلاً في حبس الصحفيين – سرعان ما ركز أردوغان على العمل الحقيقي، فبدأت السلطات التركية في تسريب تفاصيل مروعة عن مقتل خاشقجي، وبهذا التسريب، جعلت تركيا مقتل خاشقجي حديث وسائل الإعلام العالمية.

وبدورها، مارست التغطية الصحفية الأمريكية والعالمية الضغوط على إدارة ترامب. وقال الكاتب الأمريكي في شئون الشرق الأوسط، جورجي غوس، واصفًا تدفق التسريبات ببطء، لا يغفل على أحد أن أردوغان كان المسيطر على الخطاب الإعلامي، فهو يدير الأمور كما لو كان “يعزف” على آلة المكان. وبالإضافة إلى التفاصيل المتعلقة بوصول فريق اغتيال خاشقي والذي يتألف من خمسة عشر “15” شخصًا إلى اسطنبول، ثم تلميحات بأن تركيا لديها المزيد من الأدلة الجوهرية عن الطريقة التي قُتل بها خاشقجي.

وأخيرًا أقرت المملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي بأن عناصر مارقة هي من قتلت خاشقجي، وأن عملية القتل تمت بدون معرفة النظام السعودي أو موافقته. ورغم عدم قناعته بالتفسير السعودي للحادثة، أعلن أردوغان على الفور بأنه سيكشف عن “الحقيقة كاملة”. وهناك شائعات منتشرة تفيد أن في حوزة السلطات التركية تسجيلات صوتية تشير إلى أن ولي عهد المملكة العربية السعودية “محمد بن سلمان” ضالع بشكل مباشر في مقتل خاشقجي. وأرسل الرئيس الأمريكي “ترامب” مديرة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى أنقرة قبل أن يلقي أردوغان خطابه الذي ينتظره الكثيرون، وذلك حتى لا يُصاب ترامب بالدهشة مما قد يسمعه.

غير أن أردوغان لم يكشف عن أي شيء جديد، وإذا كان يعرف الكثير من المعلومات، فإنه يحتفظ بها لنفسه. لقد كان الخطاب مفرغًا من مضمونه. ولأنه يدير وسائل الإعلام بكفاءة وبلا رحمة، ما كان لأردوغان أن يفوت على نفسه فرصة الإبقاء على هذا الزخم، لقد أراد بالعالم أن يظل في حالة تشوق لمعرفة المزيد، وبهذا يضمن أن تظل قضية خاشقجي متصدرة الصفحة الأولى في الصحف والمجلات الإخبارية. ورغم ذلك، وفي يوم الثلاثاء الموافق [25 أكتوبر]، بدأ زخم القصة في الانحدار.

وبعد كل هذا، ثم سؤال بسيط يطرح نفسه، وهو: لماذا يفعل أردوغان هذا؟ وما هي أهدافه؟ والإجابة هي: أن أردوغان حدد لنفسه نهجًا تجاريًا قصير الأمد لتحقيق مكاسب مالية، وإستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف محور الشرق الأوسط المتمثل في المملكة العربية السعودية ومصر.

وعلى الصعيد التجاري، يعيش أردوغان الآن وضعًا جيدًا يمكنه من الحصول على امتيازات من إدارة ترامب لأنها هي من وضعت إستراتيجية الشرق الأوسط التي تعتمد على التعاون مع الأمير محمد – ولاسيما في احتواء إيران. ولكي يتعاون أردوغان مع إدارة ترامب لصرف الأنظار عن المملكة العربية السعودية، فبإمكان إدارة ترامب تقديم العديد من الحوافز، ومنها أن يستثني البيت الأبيض تركيا من العقوبات الجديدة المفروضة على صادرات النفط الإيراني، وتستطيع وزارة الخزانة الأمريكية تقليص الغرامات المحتملة على أحد البنوك المملوكة للدولة والتي يزعم أنه انتهك العقوبات المفروضة على إيران، وتستطيع وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” خفض تعاونها مع أكراد سوريا في قتالهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومشاركة أنقرة في الإستراتيجية التي ستنتهجها الولايات المتحدة مستقبلاً في سوريا, ومن ثم فإن الاتفاق على أي شيء من الأمور الثلاثة سيساعد أردوغان على المستوى الداخلي في ظل اقتراب موعد الانتخابات المحلية.

ويستطيع أردوغان على الفور ابتزاز الرياض للحصول على مساعدة مالية منها. وأثناء خطابه، تحدث أردوغان عن الملك سلمان بكل تقدير واحترام، وفي هذا إشارة واضحة على أن أردوغان يتجنب هدم جميع جسور التواصل مع المملكة العربية السعودية، وربما يعرض أردوغان صفقة لحفظ ماء وجه المملكة نظير المقابل المناسب. وبالنظر إلى ديناميكيات الاقتصاد التركي الآخذة في الانكماش، والإجراءات التقشفية التي ستكلفه فقدان أصواته الانتخابية، يحتاج أردوغان إلى جميع أنواع الدعم المالي للمحافظة على شبكة مناصريه.

وعلى صعيد الإستراتيجية طويلة الأمد، يريد أردوغان خلق متنفس لجماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط والتي تمر بفترة عصيبة، ذلك أن أردوغان مازال يطمح إلى قيادة الدول السنية في الشرق الأوسط. ويفضل أردوغان في علاقته مع إيران أن يتبع سياسة المشاركة بدلاً من الاحتواء، ومن شأن جميع تلك الأهداف أن توفر تحالفًا إستراتيجيًا بين تركيا وقطر.

وفي نهاية الأمر، لا يبدو أن أردوغان سيتمكن من تحقيق جميع أهدافه التجارية والإستراتيجية. ولكن مع مقارنة الوضع الحالي بالوضع منذ شهر مضى، يعيش أردوغان وضعًا أفضل بكثير للتفاوض وكل هذا بفضل حادث الوفاة المأساوي الذي وقع في بلاد نهر البوسفور.

AFP PHOTO/TURKISH PRESIDENTIAL PRESS SERVICE/HO