فشل تركيا في المساواة بين الجنسين هو نتيجة للاستبداد

عمر تاسبينار

AFP photo: Yasin Akgul

إحدى أكبر المشكلات التي أدت إلى التباعُد بين الغرب والعالم الإسلامي هي مشكلة عدم المساواة بين الجنسين. ومن منظور الكثيرين في العالم الغربي فإنه لا شيء أكثر وضوحًا على استعباد المرأة المسلمة أكثر من إجبارها على تغطية وجهها وشعرها وجسدها، علاوة على ذلك، فإن الفكرة الخاصة بأن بعض النساء في العالم العربي يجب أن يشعرن بالامتنان لمجرد السماح لهن بقيادة السيارة أو الحصول على وظيفة أو التعليم هي إحدى الأمثلة الواضحة للاستبداد. وبالنسبة للكثير من المراقبين في العالم الغربي؛ فإن الإسلام يضفي الشرعية على هذا الاستبداد.

وبطبيعة الحال كان من المفترض أن تشهد تركيا موقفًا مختلفًا، وقد كان موقف تركيا مختلفًا بالفعل لبعض الوقت، لكن الأمر لم يعُد كذلك الآن، والسبب هو أن الثقافة التركية – ولسخرية الأقدار – قد فُرِضت عبر الاستبداد ذاته، لذا فإن تلك “الهدايا” المقدمة للنساء على سبيل المثال من الممكن التراجع عنها بسهولة.

وإحقاقًا للحق، فإن تركيا حتى وقت قريب نسبيًا كانت مثالًا واضحًا ولامعًا لعملية تحرير الجنس البشري من التسلُط. وبالنسبة لهؤلاء الذين يعيرون اهتمامًا للمظهر فيما يتعلّق بالمساواة بين الجنسين، فإن تركيا هي بلد إسلامي يُمنع فيه ارتداء الحجاب في المدارس والمكاتب الحكومية. والواقع أن عملية تحرير المرأة كانت في القلب من مهمة التحديث التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك، وقد كان الآباء المؤسسين لجمهورية أتاتورك عاقدين العزم على تحرير الجمهورية الجديدة من المعايير الإسلامية الشرعية والاجتماعية في سبيل تحويل البلاد سريعًا إلى النمط الغربي.

وقد شجعت جمهورية أتاتورك النساء على الذهاب للجامعات والحصول على مؤهلات متخصصة، والحصول على وظائف في مجالات الطب والمحاماة والهندسة والعلوم الطبيعية فضلًا عن الفنون.

إن القانون العلماني المدني الذي صدر في العام 1926 أعطى النساء في تركيا حقوقًا مساوية للرجال، وبات الزواج الديني وتعدد الزوجات من الأشياء غير المُعترف بها، وأصبح للنساء الحق في تطليق أنفسهن. وبحلول العام 1930 وقبل وقت طويل من سريان هذا الأمر في الكثير من الدول الغربية؛ سُمِح للنساء التركيات بالتصويت في الانتخابات فضلًا عن الترشُح للمناصب السياسية، وفي العام 1935 كان هناك 18 امرأة عضو في البرلمان التركي، في وقت بلغ عدد النساء في الكونجرس الأمريكي 8 فقط، و9 نساء في البرلمان البريطاني، وفي فرنسا وإيطاليا لم تحصل النساء على هذا الحق الدستوري إلا في العام 1945 أي بعد 15 عامًا من حصول النساء التركيات على هذا الحق.

ومن الواضح أن السجل التركي الحالي الذي يفتقر للمساواة بين الجنسين يعُد مثارًا للسخرية قياسًا على هذا التاريخ الذي يتسم بالتحرر.

وفي تركيا أردوغان التي باتت تتسم بأنها دولة محافِظة، فإن النخبة العلمانية الموالية للغرب، غالبًا ما تنظر إلى التاريخ ويغمرها الحنين لتلك العقود التي شهدت “مساواة بين الجنسين برعاية الدولة”، وهؤلاء يشعرون بالرثاء – وهُم على حق – لحالة العجز الحالية التي أصابت المساواة بين الجنسين في مجالات التمكين السياسي والمشاركة الاقتصادية والحصول على التعليم والصحة، وهؤلاء تأتيهم إنذارات متزايدة عبر تصاعُد العنف ضد المرأة.

والواقع أن الأداء التركي الحالي بات يبعث على الحزن، فيما يخص ذات المجالات التي تم التعبير عنها من خلال مؤشر الفجوة بين الجنسين في المنتدى الاقتصادي العالمي، وفي العام 2018 احتلت تركيا المركز 130 من أصل 149 دولة، حيث جاءت خلف تونس والجزائر والعديد من دول الخليج مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر.

واليوم فإن هذا الحنين لحقبة أتاتورك التي شهدت مساواة بين الجنسين أثبت قصورًا في الإدراك، وهؤلاء يجب أن يكونوا على دراية بأن هذا العصر الذهبي (عصر أتاتورك) كانت به عيوب خطيرة، وأن تلك العيوب تفسر لماذا وجد التيار المحافظ صدى لدى الشعب التركي في الوقت الحالي وبسهولة تامة.

وأي إشادة بعملية تحرير المرأة التي شهدتها ثلاثينات القرن الماضي يجب أن تعترف بأن قوانين تمكين المرأة، شأنها شأن مُعظم الإصلاحات التي قام بها أتاتورك، كان تطبيقها مقصورًا على المراكز الحضرية، ولم يتبناها سوى الشرائح التقدمية والمتعلمة داخل المجتمع. إن اقتلاع القوانين العتيقة القائمة على التمييز ضد المرأة هو أسهل كثيرًا من تغيير ثقافة سياسية تناصر الرجال وتقوم على الاستبداد.

والأمر الآخر يتعلّق بأن إصلاحات أتاتورك التي عمدت إلى تحرير المرأة، أتت عبر روح “التحديث التي فرضتها أعلى مستويات السُلطة”، ولم تكن تلك الإصلاحات تمثل ذروة حركة شعبية اجتماعية وصراعات سياسية، وبدلًا من ذلك فإن تلك الإصلاحات كانت بمثابة “هدايا سخية” من دولة سلطوية تتعلّق بالحقوق التي وفرتها الدولة ل”فتيات مجهولات” بحثًا عن طريق مختصر للتغريب، ولم تكن بمثابة حريات مدنية اكتسبتها النساء الباحثات عن المساواة. والحق يقال أنه كانت هناك بالطبع نساء يكافحن من أجل الحصول على تلك المكاسب، لكن كفاحهن من أجل تغيير حقيقي كان عمره قصير بسبب الفرمانات السلطوية صعودًا وهبوطًا، وتلك الإصلاحات لم يكن لها جذورًا قوية وعميقة.

وتلك المساواة بين الجنسين برعاية الدولة كانت تتعلّق بالمساحة العامة، وكانت تعير القليل من الاهتمام لما يحدث خلف الأبواب المغلقة، وكان الهدف الرئيسي يتمثّل في تمكين الطبقة النسائية ولكن ليس على المستوى الفردي، وعلى سبيل المثال؛ لم يحدث سوى في التسعينات من القرن الماضي أن تم إلغاء القوانين التي كانت تنص على ضرورة حصول الزوجة على موافقة زوجها من أجل العمل أو السفر إلى خارج البلاد.

وعلى الرغم من الحقيقة التي تقول أن تلك القوانين القديمة كانت مُطلقة، إلا أن تركيا كانت تهتم كثيرًا بالمظاهر القانونية الزائفة على حساب حقيقة المجتمع التركي، وربما كانت تركيا من أوائل الدول التي قامت بالتصديق على “اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي”، وبعد تصديق تركيا على تلك المعاهدة بعام واحد وتحديدًا في العام 2012، أعلن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان عن خطة قومية من أجل المساواة بين الجنسين. واليوم فإن العنف ضد المرأة يتصاعد لمستويات خطيرة، وهناك عدد قليل جدًا من الجناة الذين يواجهون أقصى العقوبة، لذا فإنه على الرغم من أن المظاهر القانونية والسياسية الزائفة تبدو مثيرة للإعجاب، إلا أن الثقافة السائدة باتت تشجع على الحصانة.

ومن السهل للغاية اكتشاف السبب وراء ذلك، وقال الرئيس أردوغان خلال خطاب له أمام مؤتمر حول العدالة للنساء في العام 2014 :لا يمكن معاملة النساء والرجال على قدم المساواة، إن هذا التصرف ضد الطبيعة، واتهم أردوغان دعاة المساواة علانية ب”رفض الأمومة”، وقال أردوغان أن النساء اللاتي لم يلدن هن ناقصات، وناشد النساء عدم استخدام وسائل تنظيم الحمل، وأن تحظى كل امرأة بثلاثة أطفال من أجل التأكيد على تزايد عدد السكان في تركيا.

والحقيقة أن التظاهُر بتبنّي تلك القوانين التقدمية هو أمر سهل للغاية، لكن الصعب هو القضاء على الاستبداد الذي يسيطر على السياسة في أعلى المستويات. والأمر المُحزِن هو أن تلك الأزمة ليست بجديدة ولا مقصورة على الإسلاميين، والعلمانيين من مناصري أتاتورك لا يختلفون كثيرًا عن ذلك، وفي النهاية لم يكن هناك من شخص سوى أتاتورك ذاته مهندس المساواة بين الجنسين برعاية الدولة، الذي أعلن ذات مرة أن “مهمة النساء الأولى هي الأمومة”.

لذا يجب الحذر من الاستبداد الذي يأتي عبر تقديم الهدايا، حيث أن تلك الهدايا من الممكن سحبها بسهولة، وهذا ما بدأت تدركه النساء في تركيا.