أنقرة تغير حساباتها الاستراتيجية بفضل الطائرات المسيرة لديها

Burcu Ozcelik

AFP Photo: Birol Bebek

اهتمت تركيا منذ فترة طويلة بالجمع بين القوة القسرية والقوة الناعمة في تصميم سياستها الخارجية. وكان الهدف من تلك الفكرة هو طرح مجموعة من الخيارات بخصوص المشاركة في الصراعات، أو خفض التصعيد في منطقة ما مضطربة أو إدارة الصراع فيها. وبعد الحظر التجاري الذي فرضته الولايات المتحدة على أنقرة بعد غزوها لقبرص عام 1975 والذي أدى إلى انقسام الجزيرة إلى حكومتين، وضعت تركيا نصب عينيها تنمية صناعة الدفاع المحلية الخاصة بها. وعلى مدار العقدين الماضيين، تدعم تركيا الاستثمار في المعدات العسكرية وتكنولوجيا الطائرات بدون طيار. واليوم، بلغ قطاع الدفاع درجة كبيرة من النمو بحيث بات عاملاً مهمًا في الحسابات الجيوسياسية لتركيا.

ولعبت الطائرات بدون طيار “بيرقدار بي تي2” دورًا حاسمًا في حسم المواجهة الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم “ناغورني قره باغ” لصالح باكو. وفي أواخر فبراير/شباط 2020، أطلقت تركيا طائرات بدون طيار “تي بي2″ و”تي إيه أي أنكا إس” على أهداف سورية بعد تعرض الأتراك لغارة جوية في محافظة إدلب شمال غرب البلاد وأسفر عن مقتل 33 جنديًا تركيًا. وكان لكفاءة الطائرات المسيرة الفضل في وقف تقدم الجيش السوري باتجاه إدلب، مما دفع روسيا إلى التوسط في وقف إطلاق النار. ومنذ عام 2016، تستخدم تركيا الطائرة بدون طيار “تي بي2” في حربها المستمرة منذ 35 عامًا على حزب العمال الكردستاني المحظور، حيث استهدفت الطائرة الحزب في العراق، والتنظيمات التابعة له في شمال سوريا والمتمثلة في وحدات حماية الشعب.

وفي وقت قصير، أصبحت تكنولوجيا الطائرات بدون طيار الدعامة الأساسية لسياسة تركيا الخارجية المرتكزة على الأمن – وهو خروج ملحوظ عن مبدأ “صفر مشاكل مع الجيران”، وهو المبدأ الذي كان ذات يوم أبرز المبادئ لدى تركيا.

وتتميز الطائرات بدون طيار محلية الصنع بكفاءة التكتيك وانخفاض التكلفة، مقارنة بالتكنولوجيا الغربية. ووصف الخبير العسكري “ميتين جوركين” هذا التحول الجديد في التطور العسكري لتركيا بـ”تسيير الطائرات بدون طيار” لإبراز القوة التركية”. وتتولى الدعاية القومية التركية مسؤولية تضخيم النجاحات التي تحققها الطائرات المسيرة في مسارح القتال الأجنبية، حيث أصبح توجه الحكم أقل اهتمامًا بفن الدبلوماسية وأكثر اهتمامًا بحملات العلاقات العامة الجريئة التي تعرض عصر القوة العسكرية الجديد لتركيا.

وتعي الدول الأخرى ذلك. وفي الآونة الأخيرة، هناك أخبار عن أن المملكة المتحدة تسعى إلى تطبيق برنامجًا جديدًا للطائرات المسيرة، وهذا البرنامج مستوحى من التغير الكبير في الوضع في أذربيجان. وفي وقت سابق، أشار بن والاس، وزير الدفاع البريطاني، إلى الثورة التركية في تطوير الطائرات المسيرة، والذي يمثل “تحديات حقيقية للعدو”.

وأطلقت تركيا نموذجها التجريبي الثاني للمركبة الجوية القتالية الجديدة غير المأهولة، بيرقيدار أقنجي” (رايدر)، لاختبار طيران لمدة 62 دقيقة في أغسطس/آب. ووصف هذا السلاح بأنه أكثر الأسلحة التركية تطورًا حتى الآن. ورغم ذلك، هناك أوجه قصور في هذا السلاح، ومنها البطء النسبي، والقدرة المحدودة على المناورة، والاعتماد على محركات أجنبية الصنع. وفقًا لـ”بول إيدون”، محلل الفضاء والدفاع، لا يمكن أن تكون “أقنجي” بديلاً عن طائرات الجيل الجديد الأمريكية من طراز “إف-35″، والتي خسرتها أنقرة بسبب شرائها المثير للجدل لنظام الدفاع الجوي الروسي “إس-400” العام الماضي. وبصرف النظر عن صحة هذا القول من عدمه، يرى آخرون أن الأسلحة تركية الصنع أكثر قدرة على المنافسة من الأسلحة الصينية، ومن المرجح أن تلحق بالأنظمة الأكثر تطوراً بسبب الابتكار التكنولوجي السريع.

وقد لا تتمكن التكنولوجيا التركية، على غرار التكنولوجيا التي كانت موجودة في الولايات المتحدة منذ عقود، من تغير قواعد اللعبة بمفردها. وبدلاً من ذلك، هناك مخرجات طبيعية للتكنولوجيا قد تضر بالتوازن الإقليمي العسكري. ووفقًا لإد إريكسون، ضابط متقاعد بالجيش الأمريكي ومتخصص في الشأن التركي، فإن المغير الحقيقي للعبة هو أن قوى مثل “أذربيجان قادرة على شراء وامتلاك أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة (والصواريخ التي تحملها)، وقادرة على توظيفها بفعالية . وأي شخص يخوض حربًا مع عدو مزود بطائرات مسيرة بات عليه التفكير في الأمور بشكل مختلف”.

وفي رسالة منه عبر البريد الإلكتروني، أخبرني إريكسون أن هناك مغيرًا آخر محتملًا للعبة في الشرق الأوسط وهو أن “تركيا قد تعرض أنظمة الطائرات المسيرة للبيع في سوق أكبر لم يكن بمقدورها في السابق تحمل تكلفة تلك الطائرات، أو كانت ممنوعة من شرائها. إن توفير تركيا للتكنولوجيا العسكرية ذات النطاق الترددي المتوسط، والطائرات المسيرة الرخيصة إلى حد ما من شأنه أن يخل بالتوازن العسكري كما هو موجود في الشرق الأوسط الآن”. وصدرت تركيا بالفعل الطائرة المسيرة “بيرقدار تي بي2” إلى قطر وأوكرانيا وتونس وليبيا. وترى أنقرة أن هذا مجرد البداية. وبالنظر إلى تلك الأمور مجتمعة، نرى أنها تشير إلى آثار بعيدة المدى على دور تركيا كمطور ومورد للطائرات المسلحة بدون طيار.

وكان للطائرات المسيرة الفعالة دور بارز في النهوض بمكانة تركيا في المنطقة في وقت تواجه فيه أزمة اقتصادية في الداخل. إن استقلال تركيا بعض الشيء ولو بشق الأنفس عن الأسلحة الخارجية قد يعزز سياسة تركيا الخارجية الحازمة، حيث تنخفض التكلفة الحقيقية على صعيد سمعة الدولة ومغامراتها المسلحة. ووفقًا للخبير الدفاعي “هلال خشان” من الجامعة الأمريكية في بيروت، تستعد تركيا للاستفادة من دورها في انتصار أذربيجان على أرمينيا لتوسيع نفوذها على الدول التركية الأخرى في منطقة القوقاز العليا. وليس من الصعب التكهن بنوايا مماثلة في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

ولكن تركيا تواجه بالفعل سيلاً من الخلافات السياسية مع حلفائها التقليديين، ناهيك عن الخلافات الحديثة، وتلوح في الأفق قرارات صارمة ستتخذها تركيا في المستقبل القريب. وأحد تلك القرارات المحتملة هو أن الطائرات المسيرة ستجعل أنقرة تتبنى فكرة “الاستعداد والهجوم”، وهو ما يعزز العناصر المتشددة في الحكومة والجيش.

والقرار الآخر هو أنه بعد إحراز تقدم في طموحها طويل الأمد للاستقلال الاستراتيجي، قد يكون صناع السياسة، من منطلق قوة تركيا النسبية، أكثر استعدادًا الآن للنظر في التسوية والتفاوض مع حلفاء تركيا بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. وفي الواقع، لا يعني عدم اعتماد تركيا على حلف الناتو كسابق عهدها، وعلاقتها بالولايات المتحدة أن الحكومة التركية مستعدة (أو قادرة) على التنازل عن أي منهما.

 

بيركو أوشليك، زميل باحث ومحاضر منتسب في جامعة كامبريدج.