التورُط التركي في الصومال يفتح نافذة لاستراتيجية أنقرة من أجل بسط نفوذها

هنري جي باركي

AFP photo: Luis Tato

في شهر نوفمبر الماضي تطوعت تركيا لتسديد 3.4 مليون دولار من الديون المستحقة على الصومال لصندوق النقد الدولي، وخلال الشهر الحالي قامت مقديشيو بالتصديق على قانون يجعل البلاد مُتاحة أمام الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط، وقامت الصومال بإضفاء الطابع الرسمي على الترتيبات التي قامت بها منذ عام مضى من أجل دعوة الشركات التركية للتنقيب عن النفط في المياه الصومالية، تلك الترتيبات التي كشف عنها في حينها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتلك الروابط الجديدة التي تم تفعيلها مع الصومال تعُد بمثابة منفذًا لاستراتيجية أنقرة الشاملة التي ترمي إلى قيادة العالم الإسلامي والدول الغير محسوبة على الغرب، تلك الاستراتيجية التي ترتكز حتى اللحظة على قارة أفريقيا.

وقد زار أردوغان الصومال للمرة الأولى في العام 2011، ومن حينها عمل بصورة منتظمة على تقوية العلاقات التركية مع مقديشيو: وتم تشجيع الشركات التركية على الاستثمار في الصومال، وقامت أنقرة ببناء المدارس والمساجد، ووفّرت فرصًا للطلاب الصوماليين للقدوم إلى تركيا والدراسة فيها، والأهم هو أن الأتراك قاموا ببناء أكبر قواعدهم العسكرية في الخارج بمقديشيو، وتلك القاعدة وفّرت لتركيا موقعًا استراتيجيًا هامًا على مدخل البحر الأحمر.

واللعبة التي يمارسها أردوغان في الصومال هي جزء من استراتيجية أشمل ترمي إلى تقوية النفوذ التركي حول العالم، وقد أفصح أردوغان ربما من اللحظة الأولى التي تولّى فيها الحكم في العام 2003 عن وجهة نظره في النظام العالمي واصفًا إياه بأنه غير عادل، ودائمًا ما كرر مقولة إن “العالم أكبر من خمسة” في إشارة إلى الدول دائمة العضوية في الأمم المتحدة والتي تملك حق النقض (الفيتو)، وألمح إلى أن تركيا يومًا ما يجب الاعتراف بها كقوة دولية أيضًا ربما كممثل للعالم الإسلامي.

ولأجل تحقيق هذا الهدف؛ ومع وصوله إلى العام الثامن عشر على رأس الحكومة، عمل أردوغان على بناء القوة التركية الصلبة والناعمة.

وقام أردوغان أولًا بزيادة ميزانية الدفاع حيث أراد تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، ولم تكتفِ تركيا بتصنيع نوعين من البوارج الحربية بل أنها ستعلن قريبًا عن إنتاج أول حاملة مروحيات، أما الطائرات المُسيّرة التركية فقد لعبت دورًا حاسمًا في دعم أذربيجان لتحقيق النصر على أرمينيا في الحرب الأخيرة التي دارت بإقليم ناغورني قره باغ، وكذا على السواحل الشمالية للقارة الأفريقية فقد نجحت المُسيّرات التركية خلال العام 2020 في مواجهة هجوم خليفة حفتر في ليبيا ضد حكومة الوفاق الوطني المُعترف بها دوليًا والتي تعُد حليفًا لتركيا.

وبالنسبة لدولة اعتادت في السابق على استيراد الأسلحة بشكل كامل فإن تلك التطورات تعُد بمثابة إنجازات هامة للغاية، وهذا الأمر بدوره جعل أردوغان أكثر ثقة بذاته كما جعله أكثر رغبة في المخاطرة وتحدي القوى الإقليمية، كما دفعه حتى لتحدي بعض حلفاء تركيا بين الحين والآخر.

وفيما يتعلّق بالقوة الناعمة فإن أردوغان كثير التنقل يسعى إلى تحسين وتنمية العلاقات مع الدول سواء كانت قريبة أو بعيدة، وقد كان لأنقرة في السابق القليل من الوكلاء على مستوى أفريقيا بسبب التركيز على العلاقات مع حلف شمال الأطلنطي (ناتو) وأوربا، وقد عمل أردوغان بشكل سريع على زيادة عدد السفارات التركية في أفريقيا من 12 إلى 42 سفارة، وقد عمد أردوغان المدعوم بالازدهار الاقتصادي الذي تحقق في النصف الأول من فترة حكمه إلى تشجيع رجال الأعمال على الاستثمار في أفريقيا، وقبل ظهور جائحة كورونا (كوفيد-19) كانت الخطوط الجوية التركية المملوكة للدولة تهدر الطاقات في الرحلات الجوية؛ حيث كانت هناك رحلات جوية تنطلق لأكثر من 50 منطقة على مستوى قارة أفريقيا، ولو أنك أردت الذهاب إلى أفريقيا ستكون لديك فرصة للتوقف في اسطنبول.

وقد كان من السهل على أردوغان إلى حد ما أن يضع عينه على أفريقيا، فقد كانت القارة بطريقة أو بأخرى هدفًا سهل الوصول إليه، وحجم الاستثمارات اللازمة كي تحقق تركيا أهدافها كان متواضعًا ومعقولًا بلا شك.

ومع ذلك فإن تلك الخطوات لم تخلو من المشكلات، ولم تشعر مصر ودول الخليج بالارتياح جراء محاولات أردوغان إقامة وجود للبحرية التركية في المنطقة، وتم تفسير مصالح أنقرة في المنطقة على أنها صورة جديدة من الاستعمار العثماني في دولة متحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين المحسوبة على التيار الإسلامي، كما أن الدعم التركي النشط لقطر أثناء أزمة الخليج حين وجدت الدوحة نفسها منخرطة في صراع شديد مع الدول العربية المحيطة بها أسفر عن تقوية الشكوك في باقي عواصم الخليج العربي.

وعلى سبيل المثال فإن الإمارات العربية المتحدة وحلفائها بدأوا يدركون بشكل متصاعد أن التورط العسكري التركي في ليبيا وسوريا والعراق يمثل تهديدًا لأمنهم، وظهرت تساؤلات حول أسباب قيام تركيا ببناء قواعد عسكرية بعيدة عن أراضيها، والمصريون على وجه التحديد لديهم قلق منذ زمن بعيد من مسألة التدخل في البحر الأحمر؛ وذلك لأن قناة السويس تعتمد على فتح الممرات البحرية أمام الملاحة، وبينما عمدت الإمارات إلى بناء قواعد عسكرية في إريتريا وجيبوتي فإن المقصد الأساسي من ذلك تمثّل في دعم الجانب الإماراتي في الصراع الدائر على الأراضي اليمنية، واليوم فإن الإمارات قد ذهبت خطوة إلى الأمام بالانضمام إلى إسرائيل واليونان وقبرص في شرق المتوسط مما يعُد إشارة على التدهور المتصاعد في العلاقات بين أبو ظبي وأنقرة.

ولو أن هناك مبرر يتمثّل في قرب المسافة للوجود التركي في شرق أفريقيا؛ فإن أنقرة اليوم باتت تبحث عن موطئ قدم لها في غرب أفريقيا، ومستوى التورط التركي في الغرب الأفريقي مماثل لمجهودات أنقرة على السواحل الشرقية للقارة، لكن مجهودات أنقرة في الغرب لا تشمل الجانب العسكري، وهذا الأمر (التورط في غرب القارة) لا يمثل إزعاجًا للدول العربية وإسرائيل بل يمثل إزعاجًا للفرنسيين، الذين يشعرون أيضًا بعدم الارتياح لما يرونه انتهاكًا تركيًا لمنطقة تخضع للنفوذ الفرنسي وتشمل دولًا أفريقية ناطقة بالفرنسية، وباريس التي تقف على النقيض من موقف تركيا إزاء الأزمة الليبية باتت تعمل على مواجهة ضغوط أنقرة، وقد شهدت العلاقات بين الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون وأردوغان تدهورًا شديدًا سواء على المستوى الشخصي أو الرسمي.

وحتى الآن لا يمكن الحكم على الخطوات الدبلوماسية الأولية التي أقدم عليها أردوغان في أفريقيا، والواقع أن ظهور الجائحة وضعف الاقتصاد التركي خلال السنوات الأخيرة استنزفا طاقة أنقرة، واليوم فإن بروز القوة التركية الناعمة والصلبة قد دفع بدول عدة إلى التكاتف سويًا من أجل احتوائها، لذا فقد بات واضحًا أن المشروع التركي أصبح له مفعول، واليوم فإن أنقرة حتى وإن حاولت الانحراف عن مسار تورطها في أفريقيا بسبب القيود الاقتصادية فالواقع يقول أنها نجحت في تحريك المياه الراكدة، ومن غير المتوقع أن يتراجع أردوغان خاصة منذ قام بتصوير تلك “الإنجازات الكبرى في السياسة الخارجية” داخل البلاد على أنها ضمن وسائل تدعيم شرعيته.

هنري جي باركي هو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي ، وهو مساعد كبير الباحثين لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية.