تركيا تدمر تراثها ، بناء واحد في كل مرة

الكسندرا دي كرامر

AFP photo: Yasin Akgul

نجا برج غلاطه في اسطنبول من الزلازل وسقوط الإمبراطوريات، ولكن هذا النُصب عجز عن الصمود أمام مطرقة وزارة الثقافة التركية. وفي 12 أغسطس / آب، أثارت لقطات فيديو لاثنين من عمال الترميم وهما يحفران في البناء الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر غضبًا، ودفعت المواطنين المهتمين بالبناء للذهاب إلى موقع الحفر. ولم يتمكن “ماهر بولات”، رئيس قسم الأصول الثقافية في بلدية اسطنبول، من الدخول إلى البرج، والسبب، بحسب الظاهر، هو منع المزيد من الضرر. وفي اليوم التالي، غرد وزير الثقافة، محمد نوري إرسوي، قائلاً: “كان العمال يزيلون الأحجار التي جاءت إلى الموقع مؤخرًا” – وهو ما اعترض عليه “بولات”.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتضرر فيه موقع تراث ثقافي باسم الترميم، وتحت إشراف الحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان.

وفي أعقاب حادثة برج غلاطة، جاءت الأخبار من مدينة سيواس بوسط تركيا. وفي 19 أغسطس/آب، ذكرت صحيفة “حرييت” أنه تم استخدام الرافعات لإزالة أجزاء من جسر المدينة الذي يمتد عمره إلى “800” عام، والذي تم بناؤه في عهد الإمبراطورية السلجوقية. وقال عالم الآثار “نزيه باسيلين”، مؤسس منصة مراقبة التراث الثقافي والطبيعي، وهي منظمة غير حكومية أسسها الخبراء المعنيين بالحفاظ على البيئة، إنه “لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف السماح للحفارات أو آلات البناء الثقيلة الأخرى بترميم المواقع الأثرية القديمة”.

ويثير هذا تساؤلات حول كيف لشركات البناء، مثل تلك الموجودة في برج غلاطه وفي سيفاس الحصول على مشروعات، وخاصة عندما يتضح أنها قليلة المعرفة والتخصص في المحافظة على التراث وأعمال الترميم.

ويمكن الإجابة بأن مثل هذه الشركات ليست مطالبة بأي معرفة متخصصة. وأقر “برهان إرسوي”، رئيس المديرية العامة للمؤسسات في البلاد، وهي الفرع الحكومي المسؤول عن مشاريع الترميم في جميع أنحاء البلاد، بهذا الأمر على التلفزيون الوطني، قائلاً “إن المشكلة في طريقها للحل “قريبًا”. وبعد حادثة برج غلاطة، قال “إرسوي” لأحد الصحفيين أن “شهادات الخبرة ستكون ضرورية”. وعند سؤال “إرسوي” عن الطريقة التي ستراقب بها مؤسسته المشاريع الحالية، لم يقدم أي إجابة.

والحقيقة أنه لا توجد مراقبة مستمرة. ولا تمتلك المديرية العامة للمؤسسات القوة البشرية ولا المهارات التنظيمية للقيام بذلك – وهو أمر ينذر بالخطر، باعتبار أن المديرية هي المسؤولة عن الاهتمام بآلاف المواقع التاريخية.

وفي عام 2013، لجأت المديرية العامة للمؤسسات إلى المحكمة للحصول على ملكية كنيسة القديس جورج في مدينة “بورصة”، شمال غرب تركيا، من البلدية المحلية، والتي كانت تدير الكنيسة كمركز ثقافي منذ عام 2009. وربحت المديرية القضية، وأغلقت الكنيسة، وما لبث أن تجاهلتها. وباتت الكنيسة، المعروفة أيضًا باسم آيا صوفيا في بورصة، متدهورة للغاية، لدرجة أنها قد لا يمكن إنقاذها.

قد تطالب المديرية العامة للمؤسسات أو وزارة الثقافة بالإشراف على أعمال الترميم في جميع أنحاء تركيا، ولكن آلاف المشاريع الفاشلة تشير إلى خلاف ذلك. ومن بين تلك المشاريع هناك مسجد “سهيل بك”، والذي بُني في القرن السادس عشر في اسطنبول على يد المهندس المعماري العثماني الأسطوري، معمار سنان. ويأخذ المسجد شكل الصرح الصندوقي الزجاجي المعاصر. وهناك أيضًا قلعة أوكاكلي آدا، والتي يبلغ عمرها 2000 عام في منطقة شيلا بإسطنبول. وتعرضت أعمال “ترميمها” للسخرية بعد أن أصبحت القلعة شبيهة لشخصية الرسوم المتحركة سبونجبوب سكواريبانتس. وحقيقة عدم تحميل أي شخص المسؤولية عن مثل هذه الأعمال المشوهة لخير دليل على رؤية الحكومة وسياستها تجاه تراث البلاد.

وفي عام 2015، كانت ألوان الرخام المُستخدم في ترميم مسرح أسبندوس الذي يعود إلى القرن العاشر في أنطاليا ألوانًا غير متناسقة. وتكرر الخطأ نفسه في عام 2018 مع المقاعد الحجرية للمسرح الروماني الذي يبلغ عمره 2000 عام في منطقة أولوس في أنقرة. إن تكرار الخطأ ذاته يثير التساؤلات عما إذا كان هذا الخطأ متعمدًا.

وفي بعض الأحيان يكون الخطأ متعمد. وكان مركز أتاتورك الثقافي أحد أهم الرموز الثقافية في اسطنبول. وكشاهد على التزام الجمهورية التركية بالليبرالية والحداثة، كانت مسارح مركز أتاتورك الثقافي ومكتباته ملاذاً للحياة الثقافية لأكثر من نصف قرن. وفي عام 2008، تخلت وزارة الثقافة عن المبنى، وتم هدمه في عام 2019. وتحولت المنطقة المحيطة بالمركز الثقافي إلى سوق مفتوح للملابس المستعملة الرخيصة.

وأوضح الرئيس أردوغان وجهات نظره حول الحفاظ على التراث الثقافي. وفي خطابه والذي اشتكى خلاله من التأخير أربع سنوات على إنشاء خط سكة حديد مرمراي للركاب في اسطنبول، قال “أردوغان” يجب ألا تقف العوائق والعقبات في طريق التقدم”. ومن المقرر أن يشمل خط السكك الحديدية نفقًا تحت مضيق البوسفور، والذي يربط بين الجانبين الآسيوي والأوروبي من المدينة. وكانت “العوائق والعقبات” التي أشار إليها أدروغان هي القطع الأثرية التي تم العثور عليها في ميناء إليوثيروس في القرن الرابع (والمعروف أيضًا باسم ميناء ثيودوسيوس) في الموقع المقترح لمحطة النفق على الجانب الأوروبي. وتشتمل تلك الآثار بعض المعالم لسور مدينة قسطنطين العظيم، وما يبدو أنه أول اكتشاف من نوعه لقادس قديم أو يعود للعصور الوسطى.

وردت الحكومة بنفس اللهجة الرافضة بعدما تسبب الفيضان المتعمد خلف سد جديد في بلدة “حصن كيف”، وهي مستوطنة عمرها 11 ألف عام في باتمان في جنوب شرق الأناضول، إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق. ولم يكن مسموحًا لأي شيء أن يقف في طريق التقدم و”تركيا الجديدة”، وفي مايو/آيار، تم تدمير مدينة قديمة كانت موطنًا لأكثر من 20 ثقافة مختلفة ونحو 300 نصب تذكاري من العصور الوسطى.

ومع ذلك، فإن هذا التدمير الواسع النطاق للتراث يتعارض مع الحملة الدولية للحزب الحاكم والتي تطالب بإعادة “التراث المسروق” لتركيا، مثل مذبح بيرغامون من القرن الثاني الميلادي، والموجود الآن في برلين. ولنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يحدث لهذا التراث إذا بقي في تركيا. ربما كان سيترك ليتعفن.

 

ألكسندرا دي كرامر، صحفية مقيمة في اسطنبول. تناولت الربيع العربي من بيروت أثناء عملها كمراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “ميلييت”، وتتراوح أعمالها من الشؤون الجارية إلى الثقافة، ولها مقالات في صحيفة “Monocle“، ومجلة “Courier Magazine”، وصحيفة “Maison Francaise” الفرنسية، وصحيفة “Istanbul Art News ” التركية.