هل اعتبرت تركيا تحقيق الربح أهم من أمن مواطنيها خلال جائحة كورونا؟

AFP photo: Bulent Kilic

منذ اللحظة التي توقّف فيها الطيران الدولي بسبب جائحة كورونا (كوفيد-19)؛ كانت تركيا عازمة على أن تكون أولى الدول التي تفتح أبوابها للسياحة مجددًا – لدرجة أنه حينما ارتفع عدد الحالات المصابة بالتزامُن مع وصول أول دفعة من السياح الذين يقضون العطلات في إبريل؛ لجأت الحكومة إلى أسلوب غير مألوف من أجل احتواء الموقف، وبدلًا من إغلاق الحدود أو فرض الحجر الصحي على القادمين إلى البلاد أجبرت الحكومة مواطنيها على حظر التجوال في الشوارع أو الحدائق أو الشواطئ، وفرضت إغلاقًا على مواطنيها بغرض السماح للسياح بالتجول في حرية وأمان.

وخلال فترة الإغلاق التي استمرت 17 يومًا وبدأت في التاسع والعشرين من إبريل – وهي فترة الإغلاق الأولى التي تقوم بها تركيا منذ ظهور الجائحة – أغلِقت أماكن العمل واقتصر عمل وسائل النقل العام على 50% من طاقتها، كما أجبرت الحكومة مواطنيها الذين يريدون الانتقال من مدينة إلى أخرى لزيارة الأصدقاء أو الأقارب في العيد؛ أجبرتهم على الحصول على تصريح، ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال الأسبوع الأول من مايو كان السياح الأوكران يستمتعون على شواطئ شبه جزيرة داتشا جنوب غربي تركيا، لكن المواطن التركي الذي يريد أن يفعل الشئ ذاته تقوم الشرطة بضبطه وتغريمه ماليًا.

وكما كان مُتوقّعًا فقد أدّى حرمان المواطنين الأتراك من حرية الحركة إلى موجة من الغضب إلى جانب بعض الكوميديا السوداء، وحينما تعهّد وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو في السادس من مايو؛ بإعطاء اللقاح المضاد لكورونا لجميع العاملين في قطاع السياحة بنهاية الشهر؛ ظهرت مزحة هزّت تويتر حيث ظهر شخص وهو يهدد ب”البدء في عض السياح” إن لم يحصل على اللقاح، وتم استخدام إعلان لوزارة السياحة عمره 8 أعوام تظهر فيه فتاة شقراء تلهو على شاطئ غير مأهول؛ حيث ظهر الإعلان مجددًا على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة كوميدية؛ وتم تحريف عنوان الإعلان الأصلي ليظهر كالتالي: “تركيا اللامحدودة: متوفرة الآن من دون الأتراك”.

وعقب إذاعة مقطع فيديو ترويجي لوزارة السياحة في الثالث عشر من مايو بعنوان “أشعر بالسرور، لقد حصلت على اللقاح”؛ قام الفنان الكوميدي “كان سكبان” بنشر تغريدة عنوانها :”كان يجب عليهم إضافة جملة: ‘إذا ما رأيت مواطنًا تركيًا خارج الفندق الذي تقيم فيه من فضلك أطلب الرقم 112 (رقم خدمات الطوارئ)'”، وبسب حالة الغضب التي تسبب فيها مقطع الفيديو تم إلغاء بثه في غضون ساعتين، لكن هاشتاج #TurizmBakaniIstifa (استقالة وزير السياحة) ظل متصدرًا تويتر.

وتسهم السياحة بنسبة 12% من الاقتصاد التركي، وكانت مسألة إنقاذ تلك الصناعة في صدارة أولويات سياسة الحكومة فيما يخص جائحة كورونا، وكانت تركيا من أولى الدول التي فتحت حدودها في يونيو الماضي، كما كانت أول دولة تقوم بإلغاء جميع اشتراطات دخول البلاد المتعلقة بجائحة كورونا، وهناك حوالي نصف مليون سائح من المملكة المتحدة وحدها قاموا بزيارة تركيا الصيف الماضي، لكن بالنسبة للمواطنين الأتراك فقد بدا وكأن سلامتهم تأتي في المقام الثاني بالنسبة للحكومة التركية بعد السياحة والسياح.

والواقع أن هناك الكثير من الأجانب الذين يمرون بالبلاد، مستفيدين من سياسة تركيا التي لا تشترط عمل مسحة اختبار أو فرض الحجر الصحي على هؤلاء العابرين، حيث يقومون باستغلال تلك الثغرة للسفر من “دول القائمة الحمراء” التي ترتفع بها نسبة الإصابة بالجائحة، ولهذا السبب ظهرت السلالة الهندية من فيروس كورونا في تركيا؛ تلك السلالة التي عملت على تدمير شبه القارة الهندية، وقد تم توثيق خمس حالات إصابة بالسلالة الهندية في تركيا خلال أول مايو، لذا فقد وجب خضوع جميع الأشخاص القادمين من الهند للحجر الصحي.

وفي الخامس عشر من مايو صدر قرار بإعفاء الأجانب الذين يصلون إلى تركيا من عمل مسحة اختبار لفيروس كورونا، ومن بين تلك الدول التي يبلغ عددها 16 دولة هونج كونج والصين والمملكة المتحدة، وقد حذرت رئيسة الجمعية الطبية التركية د. “سيبنيم كورور فينكانسي” الحكومة قائلة إنها تلعب بالنار.

وفي بداية ظهور الجائحة؛ امتدحت منظمة الصحة العالمية طريقة تعامل تركيا مع الأزمة، وخلال مايو الماضي؛ بينما كانت النقاشات ما زالت مستمرة حول تطبيق سياسة مناعة القطيع من عدمه في المملكة المتحدة كان ارتداء الأقنعة الواقية من الفيروس إلزاميًا في تركيا، وكان أي شخص يتم ضبطه دون ارتداء القناع الواقي يتعرض للغرامة المالية، والآن وبعد مرور عام واحد باتت تركيا تحتل المركز الرابع على مستوى العالم في عدد الإصابات اليومية الجديدة، وذلك قياسًا على أسس فردية.

ولكن كيف ساءت الأمور إلى هذا الحد؟، قامت الجمعية الطبية التركية بتحديد الأسباب على نحو واضح، وكما جاء على لسان الأمين العام للجمعية د. فيدات بولوت فإن “الحكومة جعلت من تحقيق الأرباح أولوية على إنقاذ الأرواح”.

وعلى الرغم من تعريف الإصابات الجديدة بالفيروس على أنها من سلالة المملكة المتحدة؛ فإن أنقرة لم تتخذ أية إجراءات لوضع قيود على السفر من وإلى المملكة المتحدة، ولم تكن هناك محاولات لتحليل مسألة تأثير فتح تركيا للحدود على انتشار الفيروس.

ووفقًا لوزارة الصحة فبحلول السادس عشر من مايو تم إعطاء 25 مليون جرعة من لقاح كورونا، وقد اشار موقع “عالمنا في البيانات” العلمي التابع لجامعة أوكسفورد إلى أن من حصلوا على اللقاح في تركيا لا تتجاوز نسبتهم 13% من مجموع تعداد البلاد، والحكومة التركية لها تاريخ في التهوين من المعلومات المتعلقة بجائحة كورونا، وفي أكتوبر الماضي على سبيل المثال اعترف وزير الصحة بأنهم يقومون باحتساب “المرضى وليس الحالات”، وهذا يعني أن الحالات التي لا تبدو عليها أعراض ظاهرة لم تكن تُحتسب خلال النشرات اليومية الخاصة بالجائحة، ولهذا فقد بقيت الشكوك تساور العامة، وفي ذات الوقت فقد استقبلت تركيا مليون و47 ألف سائح خلال أول شهرين من العام 2021، كما تأمل أنقرة في الوصول إلى 25 مليون سائح خلال العام الحالي استنادًا للتقدم الذي يشهده برنامج التلقيح ضد الفيروس.

ولا يمكن لأي شخص أن يجادل في حقيقة أهمية السياحة بالنسبة لتركيا، والواقع أن قطاع السياحة في تركيا تضرر بشدة نتيجة انتشار الجائحة، لكن هل يجب إنقاذ قطاع السياحة بأي ثمن بما فيه التضحية بحياة وحرية الشعب التركي؟، والسماح للسياح والزوار بفعل ما يريدون من أجل الاستمتاع في مقابل وضع المواطن التركي فعليًا تحت الإقامة الجبرية – ناهيك عن زيادة فرصة تعرُض الأتراك للعدوى – كل ذلك يعكس حيرة واضطراب في ما يخص ترتيب أولويات الحكومة التركية.

ألكسندرا دي كرامر صحافية تقيم في اسطنبول، وتنقل “ألكسندرا” أخبار الربيع العربي من بيروت بصفتها مراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “مليت”، وتتناول “ألكسندرا” في عملها أخبار الشؤون الجارية والأخبار الثقافية، ولها كتابات في مجلات “مونكليه” و”كورير”، و”مايسون فرانشيز” وصحيفة “اسطنبول آرت نيوز”.