تضخم أسعار الأغذية: أحدث أعراض فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”

AFP photo: Bulent Kilic

عندما يختفي حليب الأطفال من المتاجر، فالأمر جد خطير. وعلى مدار العام الماضي، وفي تركيا، ربما لقي “28,000” شخصًا مصرعهم بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. ورغم ذلك، هناك ما هو أكثر تأثيرًا على الناس من الفيروس، إنه “تضخم أسعار الأغذية”. لقد كشفت الجائحة عن مدى فشل السياسات الزراعية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية اليومية إلى مستويات قياسية، بجانب انخفاض القوة الشرائية للمواطنين بسبب تزايد البطالة وحبس الرهن العقاري.

وفي فبراير/شباط، أشار مركز إسطنبول للأبحاث في تقريرٍ له إلى أن “42%” من المواطنين يعتقدون أن الاقتصاد هو المشكلة الأصعب التي تواجه تركيا، في حين أن الجائحة تأتي في المرتبة الثالثة. ولا غرابة في هذا حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من “20%” في العام الماضي. فمتوسط إنفاق الأسرة التركية على المواد الغذائية هو الأعلى بين الدول الأوروبية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية أكثر من أي دولة أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وللتوضيح باختصار، ارتفعت قيمة الفاكهة بنسبة “58%” عن قيمتها قبل الجائحة، وارتفعت أسعار الخضروات بنسبة صادمة بلغت “895”، وارتفعت السلع الضرورية مثل زيت عباد الشمس بنسبة “50%”. بل أن الأسعار ارتفعت بنسبة “3%” خلال شهري نوفمبر وديسمبر فقط.

وفي العقد الماضي، ومع انخفاض أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم، كانت أسعار المواد الغذائية في تركيا ترتفع بشكل مطرد، والسبب الرئيسي في ذلك هو سوء الإدارة المدمر للقطاع الزراعي الكبير في البلاد من جانب حزب العدالة والتنمية. وقبل عشر سنوات، كان القطاع الزراعي يشغل “23%” من الوظائف. وبحلول عام 2018، بلغت نسبة الوظائف في القطاع الزراعي “17%”. وكانت الزراعة تمثل “10%” من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، واليوم، هي نصف هذا الرقم. ولم تقتصر السياسات الحكومية على إهمال القطاع الزراعي وترك المزارعين يدبرون أمورهم بأنفسهم، وبدلاً من إصلاح ذلك، اختار حزب العدالة والتنمية الاعتماد بشكل كبير على السلع المستوردة.

ومع تناقص الأراضي المخصصة للزراعة، وقلة عدد العمالة اللازمة، يتناقص المحصول. ولنا في نبات البصل مثالاً على ذلك. ويستهلك الأتراك مليوني طن من البصل سنويًا، ورغم ذلك، انخفضت زراعة البصل بنسبة “15%” في العقد الماضي، وبات على تركيا الآن استيراد البصل من أوكرانيا. وكشف تقرير لمنظمة السلام الأخضر عن أن تركيا كانت المستورد الأول للقمح في العالم في عام 2020 بعد انخفاض إنتاج القمح إلى 18 مليون طن من 21 مليون طن.

وهو وضع لا يمكن تغييره بسهولة، وبالقطع ليس على المدى القصير. وفي الوقت نفسه، يتحمل المستهلك التكلفة الإضافية لجميع هذه الواردات. وتضاعف سعر الخبز إلى “2” ليرة تركية (26 سنتًا أمريكيًا).

وبالإضافة إلى الأزمة التي يشهدها القطاع الزراعي في تركيا، هناك أيضًا معاناة البلاد مع البطالة المزمنة. وقبل ظهور فيروس كورونا بفترة طويلة، كانت نسبة البطالة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا هي “29%”، والآن “35%”. ومن أصل 84 مليون نسمة هم عدد السكان، هناك 59 مليون مدين. وفي عام 2020، أنهت أكثر من 40 ألف شركة و 100 ألف شركة صغيرة نشاطها.

وتشير الأرقام الرسمية عن التوظيف إلى قصة محيرة، وهي رغم انخفاض معدل البطالة، لايزال عدد الموظفين منخفضًا. “فكيف هذا؟. هكذا يسأل الاقتصادي “أمين كابا”. و”هناك إجابة واحدة فقط – المزيد من التوظيف غير الرسمي.”

في الوقت نفسه، ازدادت حالات الإفلاس. ونقلاً عن معهد الإحصاء في اسطنبول، يجب على ما يقرب من ثلاثة أرباع متاجر البقالة في حي البقالة في اسطنبول السماح للعملاء بالشراء بالدين. وارتفع المبلغ المستحق على العملاء لمحلات البقالة بنسبة “34%” في العام الماضي. والثلاث سلع الأساسية التي يشتريها الناس بالدين هي الخبز والبيض والسجائر.

ويتقاضى أكثر من نصف القوى العاملة في تركيا، بنسبة 57٪، الحد الأدنى للأجور بقيمة “2,825” ليرة تركية في الشهر – أي ما يعادل 400 دولار أمريكي تقريبًا. ولكن اتحاد نقابات العمال التركية يقول إن الأسرة ذات الدخل المنخفض ومكونة من أربعة أفراد ستنفق 2345 ليرة – ما يعادل 325 دولارًا – على الطعام كل شهر، مما يجعلها محرومة من أشياء أخرى.

ومع ذلك، يصر حزب العدالة والتنمية على أن الحياة أصبحت أسهل في ظل قيادته. ويزعم نائب رئيس الحزب، محمد أمين أكبا أوغلو، أنه قبل وصول الحزب إلى السلطة في عام 2002، لم يكن بإمكان عائلة مكونة من خمسة أفراد شراء الشاي والسيميت (نوع من الخبز التركي) ثلاث مرات في اليوم. و”اليوم يمكنهم ذلك”. “تكلفة الشاي ليرة تركية، والسميت ليرة واحدة، وهكذا ينفق الفرد ليرتين في كل وجبة، وتنفق العائلة بأكملها عشر ليرات. ولايزال لديهم 1120 ليرة “.

وفي 7 فبراير/شباط، خصصت صحيفة “تاكفيم” التركية صفحتها الأولى لتقديم نصائح حول كيفية توفير المال التي ننفقها على البقالة. وتضمنت هذه النصائح: “لا تتسوق على معدة فارغة”، و”استخدم السلة، وليس العربة المتحركة”. وحثت الصحيفة المتسوقين على “تجنب الروائح الجميلة”. وبصفتها نصيحة، ربما يكون المقصد خير، ورغم ذلك، يرى الكثيرون أنها في غير محلها.

وفي غضون ذلك، ألمح أردوغان إلى أن شيئًا ما يُدبر بليلٍ، وأمر بإجراء تحقيق، وتوعد قائلاً، “لن نسمح لحفنة من التجار الجشعين بتسميم طعامنا أو شعبنا”.

كما توقع “أردوغان” انخفاض الأسعار في الربع الثاني من العام. وفي تلك الأثناء، كلف “أردوغان” اللجنة الوطنية للغذاء، والتي تشكلت في عام 2014، بالبحث عن حلول. وحتى الآن، لم تخرج اللجنة بأي شيء سوى خفض ضريبة القيمة المضافة على مجموعة غير محددة من لمواد الغذائية، وإلغاء التعريفات الجمركية على واردات مواد غذائية أخرى(مرة أخرى، غير محددة). وهذا لن يجدي نفعًا إذا ما استمرت الأسعار في الارتفاع.

وبالنسبة لتركيا، تسببت الجائحة في تفاقم الوضع الذي جعل الحياة صعبة على الكثيرين. وفي استطلاع حول شعور المواطنين بالرضا في عام 2020، تبين أن “14,5%” من السكان شعروا بـ “عدم الرضا البالغ” – أكثر من أي وقت مضى خلال الـ 11 عامًا الماضية.

والأمر الأكثر إحباطًا هو أن غالبية الأتراك – “71%” – لا يتوقعون أن تكون حياتهم أسهل أو أفضل. ومن يلومهم في ذلك؟. وفي ظل ارتفاع أسعار حتى أبسط المواد الغذائية، وفي الحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لإطعام الأسرة، فإن عدم الرضا هو أقل ما يقلق الدولة.

ألكسندرا دي كرامر، صحفية مقيمة في اسطنبول. تناولت الربيع العربي من بيروت أثناء عملها كمراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “ميلييت”، وتتراوح أعمالها من الشؤون الجارية إلى الثقافة، ولها مقالات في صحيفة “Monocle“، ومجلة “Courier Magazine”، وصحيفة “Maison Francaise” الفرنسية، وصحيفة “Istanbul Art ews” التركية.