تركيا تجبر أوروبا على التعامل مع أبنائها وبناتها المنسيين

فيصل اليافعي

AFP Photo: Delil Souleiman

مرت أربعة أسابيع على إقرار تركيا واحدة من أكثر سياساتها إثارة للجدل، حيث رحلت مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وعائلاتهم قسراً دون موافقة الدولة المستقبلة. استمرت عمليات الترحيل بانتظام؛ وذلك في 9 ديسمبر، وعاد أحد عشر “11” مواطناً فرنسياً إلى موطنهم.
ورحلت تركيا ما لا يقل عن أربع وعشرين “24” من أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إلى بلدان في أنحاء الاتحاد الأوروبي، ومنها؛ بريطانيا وألمانيا وأيرلندا والدنمارك وهولندا. وتقول تركيا إنها تحتجز “1,000” عضو آخرين من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في السجون لديها، وسترحلهم جميعًا بحلول نهاية العام.

لقد أصاب هذا التدفق المفاجئ للرجال والنساء العائدين البلدان الأوروبية بالدهشة، وأثار بعض الأسئلة القانونية والسياسية والأخلاقية الصعبة – أسئلة كانت تأمل أوروبا، وقرابة “100” دولة ممن ارتحل مواطنوها إلى شواطئ خلافة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، في تجنب التعامل معها. واليوم، تجبر تركيا تلك الدول على مواجهة أبنائهم وبناتهم المنسيين، والأسئلة الصعبة التي تأتي معهم.

إن ظهور شبه دولة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بين سوريا والعراق وسقوطها قد خلق وضعًا سياسيًا وقانونيًا معقدًا بصورة سيئة – وما زال الوضع يتطور.

ويخضع مقاتلو داعش وأنصارهم وعائلاتهم لواحد من ثلاثة دوائر قضائية، وهي إما محتجزين في دولة (سواء تركيا أو العراق)، أو تحتجزهم الميليشيات الكردية في شمال شرق سوريا بموجب هيكل قانوني غير محدد؛ أو يعيشون في أماكن لا تخضع لحكم القانون، إما في محافظة إدلب التي ما زالت متنازع عليها، أو في أجزاء من شرق سوريا.

ومنذ توغل تركيا في المناطق الكردية في شمال سوريا في أكتوبر، استولت تركيا على السجون والمخيمات التي هجرتها الجماعات الكردية المسلحة، ومن ثم تولت تركيا مسؤولية الآلاف من المقاتلين والمؤيدين الأجانب – رجالاً ونساءً وأطفالاً.

وكانت الحكومة العراقية والجماعات الكردية في شمال سوريا قد طلبتا في وقت سابق من الدول استعادة مواطنيها. وترغب أنقرة على وجه الخصوص في التخلص وبشكل عاجل من هؤلاء المجندين. فقال وزير الداخلية التركي “سليمان صويلو” هذا الأسبوع، “نحن لسنا فندقًا لأعضاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

لا يرغب أحد في هؤلاء الرجال والنساء، وبالتأكيد فلا ترغب فيهم ايضا الدول التي جاءوا منها. وتشعر تركيا بالقلق بشكل خاص من أن الدول قد تجد طرقًا قانونية إبداعية لحرمانهم من الجنسية، مما يجعلهم في مناطق تسيطر عليها تركيا الآن.

وحاولت المملكة المتحدة بالفعل حرمان أبرز داعمي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من الجنسية، وهي “شاميما بيجوم”، والتي انضمت إلى الجماعة المسلحة عندما كانت في الخامسة عشرة. وفي وقت سابق من هذا العام، تم تجريدها من جواز سفرها البريطاني، على الرغم من عدم امتلاكها لجنسية أخرى. وفعلت محكمة أمريكية شيئًا مماثلاً في الشهر الماضي فقط، حيث قضت بأن “هدى مثنى”، من أبرز الداعمين لداعش، لم تكن مواطنة أمريكية، على الرغم من أنها مولودة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتسافر إلى سوريا بجواز سفر أمريكي.

تم إلقاء القبض على جميع المرحلين فورًا عند دخولهم بلادهم، ولكن من غير الواضح كيف يمكن إقامة دعوى بسبب جرائم مرتكبة على بعد مئات الكيلومترات في منطقة حرب وفقًا لمعايير مقبولة أمام محكمة قانونية. ومن ثم كان لابد من تغيير القوانين لحل المشكلة. وكانت ألمانيا قد توسعت في تعريفها للإرهاب، بينما فرضت بلجيكا أدنى عقوبة على العائدين. ولكن العودة المفاجئة للمئات من مجندي داعش ستضع المحاكم في أوروبا أمام اختبار قاس.

وهناك أيضًا أسئلة أخلاقية. فغالبية المعتقلين في معسكرات السجون الكردية هم من النساء والأطفال الأجانب. فهل ستقبل الدول الأطفال دون الآباء؟ ويعد أيضا امرا صعبا ترك هؤلاء المعتقلين على ما هم عليه. ويطبق العراق عقوبة الإعدام، لكن الدول الأوروبية لا تطبقه، كما أن تسليم مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وعائلاتهم إلى النظام السوري سيكون، كما قالت إحدى مجموعات حقوق الإنسان هذا الأسبوع، بهدف إدانتهم فعلياً تمهيدًا لتعذيبهم أو لتوقيع عقوبة الإعدام عليهم.

ولكن الجانب السياسي للقضية هو الذي الأكثر إثارة بمعنى الكلمة. حيث أثارت عودة “ليزا سميث” الأسبوع الماضي، وهي مواطنة أيرلندية انضمت إلى داعش، ولديها طفل من مقاتل، غضبًا عامًا في أيرلندا، بسبب تكلفة إعادتها هي وابنتها (على الأقل ستة مسؤولين وفريق أمني رافقها في رحلتها إلى أيرلندا)، ولأنها لم تعرب بعد عن ندمها الحقيقي.

بالنسبة للعديد من أجهزة الأمن الأوروبية، والتي تتبع بالفعل أعدادًا كبيرة من المتعاطفين مع الإسلاميين، فان هناك أزمة حقيقية تلوح في الأفق. ولم يمضي سوى أسبوعين، حتى شهدت لندن تأثير الإفراج عن المحتجزين قبل الأوان. وفي عام 2012، أُدين “عثمان خان” بالتخطيط لهجمات إرهابية، وحُكم عليه بالسجن 16 عامًا، ثم أُطلق سراحه في ديسمبر 2018، واُعتبر قصة نجاح لبرنامج إعادة التأهيل. وفي 29 نوفمبر، طعن “عثمان” شخصين حتى الموت، وجرح ثلاثة آخرين في أعمال عنف بالسكين.

وفي جميع أنحاء القارة الأوروبية، ستطرح الحكومات على نفسها سؤالاً مرعباً: إذا كان “خان”، والذي لم يسبق له أن زار سوريا أو أي منطقة حرب أخرى، قد استطاع ارتكاب مثل هذا الهجوم، فما الذي قد يفعله العائدون من منطقة نزاع نشطة، حتى بعد سنوات من عودتهم؟
وتلك هي الأسئلة التي كانت تأمل الحكومات ألا تحتاج إلى الإجابة عليها في ذلك الوقت، أو ربما مطلقًا. ومن الناحية السياسية، تعد تلك الأسئلة الأكثر صعوبة، لأنها تتعلق بإمكانية وجود خطر شديد على السلامة العامة، بيد أنها تتشكل أيضًا بسبب نزوات الرأي العام. وفي أوروبا، يشعر الشعب بالغضب من الاضطرار إلى استعادة “العرائس المجاهدات”، ولكنه في الوقت نفسه متعاطف مع أطفالهن الصغار.

وبالنسبة للسياسيين، من المرجح أن يؤدي اتخاذ موقف حازم في كلا الاتجاهين إلى نتائج عكسية. والآن فرضت أنقرة هذا الخيار عليهم، غير أن القليل من العواصم الأوروبية ستشكر تركيا لأنها دفعت تلك الدول إلى مواجهة مواطنيها المنسيين.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وكتب تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.