الحملة التركية لإنكار الإبادة الجماعية فشلت، لكن لا تتوقّع أن يكون هناك تغيير

نيل هاور

AFP photo: Ozan Kose

في الرابع والعشرين من إبريل حدث ما لم يكن يتوقعّه أحد، فخلال هذا اليوم الذي يوافق الذكرى 106 للإبادة الجماعية للأرمن؛ أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن بيانًا ذُكِرت فيه كلمة “إبادة جماعية” مرتين بشكل صريح، ويُمثّل هذا البيان تراجُعًا عن السياسة الأمريكية التي استمرت لعقود؛ والتي كانت تعمد إلى تجنُب الاعتراف رسميًا بتلك الأحداث التي شهدها الأرمن باعتبارها إبادة جماعية خشية استعداء تركيا؛ التي ظلّت حليفًا بارزًا لمدة طويلة إبان الحرب الباردة وفيما بعد على مستوى الشرق الأوسط، وعلى أي حال فبعد مرور سنوات من تدهور العلاقات سقطت تركيا في نظر صانعي السياسة الأمريكية للدرجة التي باتت سياسة عزل أنقرة لا يُنظر إليها على أنها سياسة فاشلة، لذا فقد قرر بايدن أن يفي بالوعد الذي قطعه خلال الحملة الانتخابية وأصدر بيان الاعتراف بمذابح الأرمن؛ وهو البيان الذي أسعد نصف مليون من الأرمن الأمريكيين.

ومن ثم فقد فشلت الحملة التركية التي استمرت طويلًا لإنكار الإبادة الجماعية – على الأقل فيما يخص الهدف الأبرز المتعلّق بالسياسة الخارجية والمتمثل في منع الولايات المتحدة من الاعتراف بمذابح الأرمن، وعلى الرغم من ذلك هناك أسباب كثيرة للغاية داخلية ودولية؛ تدفع للاعتقاد أن أنقرة ستسمح بالتخفيف من حدة موقفها من عمليات الإبادة الجماعية (أو أحداث 1915 كما تصفها تركيا) في أي وقت خلال المستقبل المنظور.

وتمثّل أحد التطورات الهامة التي أعقبت بيان الاعتراف في رد الفعل، أو بمعنى أدق غياب رد الفعل الرسمي من الحكومة التركية، وبطبيعة الحال فقد أصدرت وزارة الخارجية التركيا بيانًا في أعقاب الإعلان الأمريكي تشجب فيه خطوة اعتراف بايدن بمذابح الأرمن، باعتباره يأتي ضمن جهود الولايات المتحدة ل”إعادة كتابة التاريخ”، ووصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الإعلان الأمريكي بأنه “خطوة خاطئة” وناشد بايدن التراجُع عنه، وبخلاف ذلك كان هناك القليل من خطوات رد الفعل التركية الملموسة التي أقدمت عليها أنقرة، وتم استدعاء سفير الولايات المتحدة في أنقرة للتشاور، لكن لم يتم التلويح باتخاذ أية إجراءات أخرى، حتى أن صيغة البيانات التي أصدرتها الحكومة التركية كانت معتدلة إلى حد ما، والواقع أن القادة الأتراك الذين يواجهون أزمة اقتصادية امتدت طويلًا؛ وتفاقمت بسبب كارثة أخرى مُدمّرة تمثلت في جائحة كورونا (كوفيد-19)، هؤلاء القادة كانوا حريصين على عدم خسارة الأسواق عبر الإقدام على ردود فعل قاسية تجاه إعلان بايدن.

وفي ذات الوقت فإن وجهات النظر المتعلقة بالمذبحة في إطار السياسة والمجتمع التركي ضاربة بجذورها؛ مما جعل أية مواقف مناهضة لها تستلزم تكلفة سياسية باهظة، وقد ثبتت تلك الحقيقة بشكل راسخ بعد ردود فعل الساسة الأتراك على البيان الأمريكي، والتي كان أبرزها تصريحات مثل تلك التي أطلقها عضو البرلمان عن (حزب الحركة القومية المتحالف مع حزب أردوغان العدالة والتنمية) أوميت أوزداغ؛ حيث كتب على تويتر يمدح كل من “إنفر” وطلعت باشا – مهندسي الإبادة الجماعية – من خلال تغريدة كتب فيها :”سنفعلها مرة أخرى”، وبصورة عامة فإن جميع الفصائل البرلمانية التركية باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي المحسوب على الأكراد أدانت الإعلان الأمريكي، أما الرأي العام التركي الذي تشكّل عبر عقود من ثقافة إنكار الإبادة الجماعية لم يتخلّف عن الركب، فقد جرى استطلاع للرأي في العام 2015 وجد أن 9% فقط من الأتراك يعتقدون أن مذابح الأرمن التي جرت خلال الحرب العالمية الأولى تعُد إبادة جماعية.

أما خارج الحدود التركية فإن أشد المواقف التي اتخذها شركاء أنقرة الإقليميين حول تلك المسألة جاء ملكيًا أكثر من الملك، حيث جاء متشددًا أكثر من موقف تركيا ذاتها، فهناك أذربيجان التي وصلت العلاقات بينها وبين تركيا إلى مستويات جديدة العام الماضي، والتي بلغت ذروتها عبر دعم أنقرة العسكري والدبلوماسي خلال حرب ناغورني كاراباخ التي خاضتها أذربيجان ضد أرمينيا، حيث تبنّت أذربيجان التي تنظر إلى مستقبل العلاقات مع أنقرة سياسة مُعادية للأرمن، وبالنسبة للرئيس الآذري إلهام علييف الذي كان أول قائد أجنبي يتحدث مع أردوغان عقب الإعلان الأمريكي؛ فإن أرمينيا دولة “لا تستحق حتى مجرد أن تكون بمثابة خادم”، ومع زيارة أردوغان المرتقبة لمدينة شوشا (التي استعادتها أذربيجان خلال شهر نوفمبر في خضم معارك ناغورني كاراباخ)؛ تلك الزيارة التي من المقرر أن تتم خلال الاشهُر القادمة فإن الرئيس أردوغان بلا شك سيشهد المزيد من الخطابات الرنانة المُعادية للأرمن خلال المستقبل المنظور.

أيضًا ليس من الواضح ما سوف تجنيه تركيا حتى من أرمينيا ذاتها؛ والذي يدفع بأنقرة لتلك التنازلات ذات الكلفة السياسية فيما يخص قضية الإبادة الجماعية، وعلى مدار الشهور الماضية انتشرت تقارير على نطاق واسع تفيد باستعدادات تركية لفتح الحدود مع أرمينيا بعد طول غياب، وتلك الخطوة منصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم في العاشر من نوفمبر؛ (واشتملت على “تحرير التجارة الإقليمية ودعم الروابط الاقتصادية”)، وهو ما أشار إليه مستشاري أردوغان أنفسهم، وبالنظر إلى الانطباع السلبي للغاية حول تركيا في أرمينيا خاصة بعد الدعم الذي قدمّته أنقرة لأذربيجان خلال الحرب؛ فإن أية قرار يتعلّق بعودة العلاقات مع أنقرة لن يتمتّع بشعبية تُذكر بالنسبة لحكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان في يريفان، ومع ذلك من الممكن أن تقرر تركيا فتح الحدود من جانب واحد – وهو أمر يبدو معقولًا بشكل متزايد، وذلك بالنظر إلى أن روسيا (راعية اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من نوفمبر) سترغب في أن يكون لديها خط سكك حديدية مباشر مع تركيا يمر عبر أذربيجان وأرمينيا، وفي تلك الحالة لن يصبح أمام الحكومة الأرمينية من خيار سوى أن توافق أو ترفض سلسلة التنازلات فيما يخص قضية الإبادة الجماعية.

وفي غضون ذلك فإن كل تلك المسائل ستتوارى عن الاهتمام الذي ينصرف إلى العوامل الداخلية، وكما أشار مؤخرًا المؤرخ المتخصص في الشأن التركي هوارد إيسنستات؛ فإن التقارب الزمني بين الإبادة الجماعية للأرمن وتأسيس الجمهورية التركية جعل الشعب التركي يتصارع مع ضميره دون إعادة التفكير في الكيفية التي تأسست بها الجمهورية التركية، لكن تركيا أيضًا سوف تتغلّب على تلك المعضلة، والولايات المتحدة تعُد أول دولة تعترف بالكاد بالإبادة الجماعية للأرمن، والكثير من تلك الدول التي فعلت – أهمها روسيا وألمانيا – يُعتبرون شركاء بارزين لتركيا على المستوى الدولي، وخطاب أنقرة ربما لا يشهد تغييرًا، لكن الحياة سوف تستمر كما هو معهود.

نيل هاور، محلل أمني يقيم حاليًا بمدينة ستيباناكيرت في ناغورني قره باغ، حيث يقوم بمتابعة الحرب بين أرمينيا واذربيجان، وهو في الأصل يقيم في مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، ويتركز عمله حول السياسة والأقليات والعنف في منطقة القوقاز إلى جانب قضايا أخرى.