الكنوز الأثرية التركية وأماكن المتاحف في الروايات الوطنية

Burcu Ozcelik

AFP Photo: Cem Turkel

يضم متحف الآثار الوطنية في تركيا واحدة من أكثر المجموعات الأثرية إثارة للإعجاب في الشرق الأوسط. ويفخر المتحف بأن مخزنه يضم قرابة الـ”800,000″ قطعة أثرية. واليوم، يجري نقل مئات القطع الأثرية الموجودة في مجمع سك العملات الإمبراطوري والذي يعود تاريخه إلى العصر العثماني، والمعروف باسم دار سك العملة والقائم على أراضي قصر “توب كابي” في اسطنبول، إلى مخزنيين جديدين يُطلق عليهما اسم “مخزني المتحف”. ولم يتضح بعد ماهية القطع الأثرية التي سيتم نقلها أو عددها. ومع ذلك، فقد أثار هذا الإجراء تساؤلات حول العلاقة بين الرواية التاريخية الوطنية وبين الاهتمام بالتاريخ الماضي الملموس وعرضه.

وبعد الإعلان عن تغيير وشيك في مكان القطع الأثرية، أصاب تاريخ الفنون وعوالم المتاحف حالة من الاضطراب. وسرعان ما وصفة وسائل الإعلام المعارضة تغيير أماكن القطع الأثرية بأنها “فضيحة”، وتوضح الانقسامات السياسية العميقة في البلاد والتي تطال طريقة التعامل مع التراث التاريخي. فعلى سبيل المثال، تم نقل إدارة متحف قصر توبكابي المنفصل إلى إدارة القصور الوطنية التابعة لمكتب الرئيس في عام 2019، ولكن المعارضة السياسية تصر على أن إدارة المتحف يجب أن تظل في يد إدارة المتحف أو وزارة الثقافة.

وبخصوص نقل القطع الأثرية من “دار سك العملة”، فهناك تخوف من تعرض تلك القطع الأثرية للتلف، أو تخزينها بطريقة غير مناسبة في أماكنها الجديدة والتي تبعد عن منشئات الترميم التابعة للمتحف. وتتكون الأماكن الجديدة من مخزن متصل بمطار أتاتورك الدولي المتوقف حاليًا، والمكان الآخر يقع بعيدًا على الجانب الآسيوي من مضيق البوسفور.

وشهدت تركيا وفرة من الاكتشافات الأثرية على مدى السنوات القليلة الماضية. في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحده، اكتشفت أعمال التنقيب معبدًا قديمًا يعود تاريخه إلى العصر الحجري، ومقبرة لعالم الفلك اليوناني الشهير “أراطوس”، وميناء يعود للحقبة المينوية في منطقة الساحل الغربي لمدينة ديديم. في وقت سابق، تم اكتشاف آلآف من القطع الأثرية الأخرى أثناء إنشاء مشاريع بنية تحتية ضخمة بداية من العام 2004. وأثناء العمل في نفق خط سكة حديد مرمراي عالي السرعة في اسطنبول، عثر علماء الآثار على أنقاض كنيسة بيزنطية، وآثار أقدام تعود إلى العصر الحجري الحديث، بالإضافة إلى روائع أثرية أخرى.

وتم تخزين جزء كبير من الاكتشافات الجديدة في موقع “دار سك العملة”، مما شكل عبء ثقيل على المباني القديمة – وبالتالي خلقت سببًا واحدًا على الأقل لهذه الخطوة. وتمتلك تركيا سجلاً متنوعًا على صعيد الجهود المبذولة للتعامل مع الكنوز القديمة أو نقلها أو ترميمها. وفي عام 2015، تعرضت الفسيفساء الرومانية القديمة في متحف الآثار في محافظة هاتاي الجنوبية لأضرار أثناء نقلها أو ترميمها. وفي العام الماضي، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لرجال يتأرجحون بمطارق ثقيلة في موقع ترميم برج غلطة في اسطنبول، والذي بناه أهل جنوة في القرن الرابع عشر.

وحاولت وزارة الثقافة تبديد المخاوف بشأن خروج القطع الأثرية من موقع “دار سك العملة”. وتقول الوزارة أن الهدف من تلك الخطوة هو حماية القطع الأثرية من الكوارث الطبيعية المحتملة مثل الزلازل، وتجهيز مساحات جديدة يممن التحكم في مناخها لعرض تلك القطع الأثرية. ولكن الانتقادات لم تهدأ بعد: ولم يكن مجمع “دار سك العملات” معروفًا عنه قبل ذلك أنه موقعًا معرضًا لخطر الزلازل، ومن غير الواضح ما إذا كانت جميع مباني المتحف فائقة القيمة في قصر طوب قابي سيتم نقلها مرة أخرى إلى مجمع دار سك العملات، أو أنها ستستخدم مرة أخرى كمساحة مكتبية.

وشهدت المتاحف في تركيا نهضة في السنوات الأخيرة. ومن منطلق الاستثمار الحكومي، أبدى المثقفون الأتراك اهتماًمًا بالغًا ومفاجئًا بالإرث العثماني لتركيا، وهذا على خلاف عادة المثقفون الذين لم يعبئون بحقبة ما قبل الجمهورية. كما أنها محاولة لجذب عشاق الآثار ومؤرخي الإسلام والسياح المحبين للفن إلى اسطنبول. فعلى سبيل المثال، يعرض المتحف الذي تم تجديده حديثًا والواقع في منطقة بيكوز قصة 800 عام من الأعمال الزجاجية في قلب الأناضول بتركيا. ويعود تاريخ تلك الأعمال الزجاجية من عهد السلاجقة إلى العثمانيين. ويضم متحف الفنون التركية والإسلامية في اسطنبول مجموعة دائمة من “الآثار المقدسة”، ومنها المخطوطات القديمة والنسخ الأولى من القرآن.

ومن المعروف جيدًا أن سياسة المتحف كمؤسسة عامة هي سياسة مثيرة للجدل في معظم المجتمعات، مما يثير نقاشات كبرى مفتوحة حول الهوية الوطنية وعلاقة الشعب بماضيه. وتشهد دول دول الشرق الأوسط تمزقًا مجتمعيًا بسبب جاذبية التاريخ من جانب والرغبة في التحديث من ناحية أخرى. ويغازل فقدان الذاكرة الانتقائي عوامل التجديد، بينما تتفاوض المجتمعات حول كيفية تخليد ذكرى ماضيها. وهناك تجاهل للتاريخ الخاص بالأقليات أو المُبعدين خلال السرديات التأسيسية المبتكرة للحفاظ على مشروع الدولة قائمًا. وتلعب المتاحف دورًا متطورًا لا يستهان به في تسلسل التاريخ.

ويركز المتحف كمؤسسة على وسائل التعرف على التاريخ وفهمه. وتأكيدًا على ماضيها الفرعوني، نقلت مصر في أبريل/نيسان 22 مومياء ملكية مُكتشفة حديثًا إلى المتحف القومي للحضارة المصرية في استعراض صاخب عبر القاهرة. وفي غضون ذلك، تستثمر دول الخليج في متاحف حديثة زاخرة بموضوعات قائمة على الابتكار التكنولوجي عن مستقبل العرب.

إن الخلاف حول وجود قطعًا أثرية في تركيا هو جزء من صرف اهتمام الشرق الأوسط بعيدًا عن عرض نماذج المتاحف “الغربية” والتوجه نحو المناقشات الوطنية حول وظائف ومستقبل المتاحف في المجتمعات التي تتميز بالتغير الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي المفاجئ. ومع ذلك، وبينما تلوح في الأفق بلا شك أسئلة حول الهوية، هناك حوافز أخرى أكثر عملية ومنها السياحة الفنية والمكانة على خرطية الثقافة العالمية. وباتت المدن القوية والراسخة في المنطقة – مثل القاهرة ودمشق وبغداد – تفسح المجال لمدن جديدة منافسة مثل اسطنبول وأبو ظبي.

وبغض النظر عن الاختلافات في معالجة التاريخ، هناك ثقة عامة في الفنانين المحليين والتاريخ الوطني في المنطقة. ومع ذلك، هناك أشياء لم تتغير وهي المتاحف والتي بقيت على مساحتها المتوسطة، وفيها يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بالهوية الوطنية وسلطة الدولة أمام أعيننا.

بيركو أوشليك، زميل باحث ومحاضر منتسب في جامعة كامبريدج.