تركيا وروسيا تحوِّلان سوريا إلى واجهة لاستعراض أحدث أسلحتهما

فيصل اليافعي

في الساعات الأولى من 7 أكتوبر 2015، انهال أزيد من عشرين صاروخاً من طراز كروز على أهداف في حلب وإدلب. هذا الحدث أثار جزع القوات الأمريكية في سوريا، ليس بسبب الأهداف التي أصابتها هذه الصواريخ، وإنما بسبب مصدرها. فصواريخ كروز الستة والعشرين (26) هذه جاءت من سفينة “كورفيت” روسية صغيرة في بحر قزوين، وهو ما يزيح الستار عن قدرات كان خصوم روسيا حتى تلك اللحظة يجهلون أنها تملكها.

إن هذه الصواريخ التي هي عبارة عن نسخ لصواريخ كروز من نوع “كاليبر” قد أثارت قلقاً مزدوجاً لدى الولايات المتحدة، حيث إنها قطعت مسافة 1500 كلم في الجو لتصل إلى أهدافها، أي أكثر بعشر مرات مما كانت الولايات المتحدة تعتقد، كما أنه تم إطلاقها من سفن حربية صغيرة يقل حجمها عن نصف حجم السفن التي تستخدمها الولايات المتحدة لإطلاق صواريخ “توماهوك”، ما يمنح الروس خفة حركة تفتقر إليها الولايات المتحدة.

بالنسبة لمسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، تلك الصواريخ كانت عبارة عن رسالة تحذيرية واضحة. فبعد أشهر قليلة، أخبر قائد القيادة الأمريكية الشمالية، الأميرال بيل غورتني، الكونغرس بأنه لم يكن هناك من سبب “عملياتي أو تكتيكي” يدعو روسيا لإطلاق الصواريخ في ذلك الاتجاه، وقال: “إنها رسالة موجهة لنا فحواها أنهم يتوفرون على هذه القدرات وأن تلك الصواريخ بإمكانها أن تحمل رؤوساً حربية نووية أو تقليدية”.

ولم تكن صواريخ “كاليبر” تلك سوى البداية. فعلى مدى السنتين التاليتين، استخدمت روسيا صواريخ وقاذفات قنابل وطائرات بدون طيار ودروعاً جديدة في الصراع الدائر بسوريا. وعلى خلاف عملية الاستيلاء على شبه جزيرة القرم الأوكرانية، التي حرصت موسكو آنذاك على نفي تدخلها فيها، فإن هذه الحرب مكنت روسيا من استعراض عضلاتها علناً والتباهي بالتكنولوجيا التي تتوفر عليها، إلى درجة أنه يتم بث إطلاق الصواريخ ولحظة إصابتها لأهدافها على التلفزيون ليشاهد الجميع آثارها.

ومن الملاحظ أن روسيا لا تبذل أي جهد لإخفاء أي من هذا. ففي أواخر يناير، وقف فلاديمير بوتين أمام كبار مسؤولي الدفاع في مركز إدارة الدفاع الوطني – وهي المؤسسة الروسية التي تعتبر نظير “البنتاغون” الأمريكي – لاستعراض الدروس المستخلصة من العمليات العسكرية الجارية في سوريا. وأبدى بوتين، الذي يراقب عن كثب كل التفاصيل المرتبطة بالعتاد والتكتيكات العسكرية الروسية، فخره بكون بلاده هي القوة الجوية المهيمنة في المنطقة برمتها، وذلك رغم تواجد طائرات حربية أمريكية وتركية وإسرائيلية تحلق فوق الأراضي السورية.

ويبقى أكثر المزاعم إثارة للدهشة هو اختبار روسيا لـ215 منظومة أسلحة جديدة في سوريا، وأن قاعدة روسيا في مدينة طرطوس الساحلية السورية قد احتضنت أزيد من ألف ممثل عن 57 شركة دفاعية. وقد كانت السنتان اللتان أمضتهما القوات الروسية في سوريا بمثابة اختبار مفيد جداً، حيث كانت سوريا أرضية مناسبة لتطوير واستعراض الأسلحة الروسية.

هذا الأمر يحيلنا على فئة أخرى هامة مستهدفة باستعراض قدرات هذه الأسلحة الروسية، علاوةً على الخصوم المعروفين في آسيا والغرب. فروسيا تظل من بين أكبر تجار الأسلحة في العالم، وحضورها في الصراع السوري كان بمثابة أسلوب دعائي مقنع.

وقد بثت روسيا نجاحاتها في جميع وسائل الإعلام التابعة للدولة، وكانت النتائج سريعة الظهور. فقد تم إرسال الطائرة المقاتلة “سوخوي سو-34” للقتال في سوريا لأول مرة في نهاية سنة 2015، وخلال ثلاثة أشهر من ذلك، طلبت الجزائر 12 طائرة بقيمة 36 مليون دولار لكل منها. وقد قال المتحدثون الرسميون الروس إن إندونيسيا والهند قد أعربتا أيضاً عن اهتمامهما بهذه الطائرات. ومع نهاية السنة الماضية، كانت روسيا تبيع أسلحة لأكثر من 70 دولة، لكن خُمس أسلحتها بيع بالكامل للشرق الأوسط.

ولم يكن الروس هم اللاعب الوحيد في هذا الميدان، فقد انتهزت تركيا أيضاً الفرصة التي أتاحتها الحرب الدائرة في سوريا لاستعراض الأسلحة التي صنعتها، من أجل تخويف منافسيها وإبهار عملائها المحتملين.

فعندما انطلق هجوم الجيش التركي على مدينة عفرين الشهر الماضي، كانت نسبة كبيرة من الأسلحة التي استخدمها الجيش قد صنعت في تركيا. فجميع الطائرات بدون طيار التي كانت تحوم فوق المدينة، والمدفعيات المحمولة على الدبابات التي كانت تطلق النيران على الحدود، والقنابل الذكية التي ألقتها الطائرات التركية، كل هذه الأسلحة كانت تركية الصنع. وكما هو الحال بالنسبة لروسيا، كان الصراع السوري هو أول مناسبة استخدمت فيها هذه الأسلحة المحلية الصنع في أرض القتال.

ومرة أخرى، لم يلتزم الأتراك الصمت حول هذا الموضوع. فقد هلل وزير الدفاع التركي بهذا الأمر، مشيراً إلى أن 75 بالمائة من الأسلحة المستخدمة في عفرين كانت مصنعة محلياً.

وبهذا أثبتت الحرب السورية أنها ليست مجرد واجهة لإبراز قدرات هاتين الدولتين على استعراض القوة وتحقيق المآرب السياسية، بل أيضاً كونها واجهة تجارية لبيع الأسلحة. ولنكون صرحاء وواقعيين، فإن هذا الاستعراض يتم على جثث السوريين وبيوتهم.

إن هذا الأمر يؤجج أيضاً سباقاً متواصلاً نحو التسلح في المنطقة. فلننظر مثلاً إلى الطائرات بدون طيار التي أصبحت خلال عقد واحد فقط جزءاً رئيسياً من عتاد الجيوش الحديثة؛ جميع الدول المشاركة في الحرب السورية تستعمل الطائرات بدون طيار، إلا أن أكثرها تطوراً يُستخدم من طرف خمس دول على جانبين متقابلين: روسيا وإيران وتركيا من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فالرغبة في التفوق على الطرف الآخر ستدفع روسيا وإيران وتركيا للتعاون في الشؤون العسكرية، خاصةً وأن تركيا وإيران على وجه التحديد لا ترغبان في أن تكونا مجرد جهتين مُشتريتين للأسلحة بل تريدان التمكن من خبرة التصنيع كذلك.

هذه الحالة تنطبق بشكل خاص على تركيا، التي تضررت وارداتها من التكنولوجيا العسكرية بسبب الحملة التي شنها أردوغان على أولئك الذين قيل إن لهم يداً في محاولة الانقلاب سنة 2016. ومع نهاية السنة الماضية، قالت ألمانيا إنها ستقوم بتجميد جميع مبيعاتها من الأسلحة الموجهة إلى أنقرة، قبل أن تلطف موقفها وتقول إنها ستراجع عناصر كل دفعة وتقرر بناءً على كل حالة على حدة.

إلا أن تركيا لن تنتظر، فقد حددت الدولة هدفها في أن تصبح واحدة من أكبر عشر مصدرين عالميين للأسلحة خلال خمس سنوات.

لذا سيكون للمعارك المتواصلة في سوريا أثر طويل الأمد على المنطقة، لأنه ما دامت الأسلحة الجديدة تتطور، سيستمر استعمالها. إن الدمار الذي حل بسوريا هائل، وستحتاج البلاد لسنوات طوال من أجل إعادة البناء. لكن بالنسبة لدولتين اثنتين على الأقل، كان هذا الدمار مفيداً لأعمالهما التجارية.

AFP PHOTO / Utkin