الاتفاقية التركية الليبية حول البحر المتوسط تهدف إلى اكتشاف الطاقة وتوسيع نفوذ أنقرة

هنري جي باركي

AFP Photo: Turkish Presidential Press Service

قامت كل من تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية “المُعترف بها دوليًا”، بالتوقيع في السابع والعشرين من نوفمبر على مذكرة تفاهم مثيرة للجدل، لترسيم الحدود الأمنية والبحرية. وقد أزعجت الاتفاقية بعض الدول المجاورة، بدءًا بدولتين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهما اليونان وقبرص إلى جانب مصر، وقد اعتبرت الدول الثلاث الاتفاقية على أنها خطوة تركية، ترمي إلى تعظيم نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة، وذلك على حساب المصالح الاقتصادية للدول الثلاث، وكان رد الحكومة اليونانية فوريًا، حيث قامت بطرد سفير حكومة الوفاق الوطني في أثينا.

ويرى اليونانيين والقبارصة مذكرة التفاهم تلك على أنها تحدِ مباشر، للمنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بالدولتين. وفي البداية احتج اليونانيون بأن مذكرة التفاهم وما لحق بها من ترسيم الحدود الاقتصادية، تتجاهل بشكل كامل وجود جزيرة كريت اليونانية والمنطقة الاقتصادية التي تقع بين ليبيا وتركيا، وما ساهم في إشعال الموقف؛ هو التصريحات التركية باعتزام أنقرة البدء في التنقيب بتلك المنطقة.

وقد تم التوقيع على تلك الاتفاقية، في ظل حدثين هامين لكنهما غير مترابطين، الأول هو تصاعُد الحرب الأهلية التي أنهكت حكومة الوفاق الوطني، ضد الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، والواقع أن حفتر يحظى بدعم مجموعة من الدول، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، أما الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الليبية؛ فقد حاول بالفعل اجتياح العاصمة الليبية طرابلس التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني. والحدث الثاني هو الدعم الروسي الحالي لحفتر، والذي أصبح بمثابة ميزة هائلة يمتلكها على الأرض، أما مذكرة التفاهم بين تركيا وليبيا، والتي أتت في خضم تلك التطورات، فقد أدّت إلى تعقيد جهود الأمم المتحدة، التي يقودها المبعوث الأممي غسان سلامة من أجل وضع حد للحرب الأهلية في ليبيا.

والأمر المُحيِّر يكمن في التساؤل حول دوافع الأتراك للإقدام على تلك الخطوة، بالأخذ في الاعتبار حيث أن حكومة الوفاق الوطني لا تسيطر إلا على جزء ضئيل من الأراضي الليبية، كما أن موقفها هو موقف دفاعي بشكل واضح. وهناك إجابة لهذا التساؤل تكمن في النزاعات بين تركيا وقبرص، حول المياه المحيطة بالجزيرة. كما أن الاكتشافات الأخيرة لحقول الغاز الضخمة، في المياه الإقليمية لكل من قبرص ومصر وإسرائيل، والتعاون الذي نشأ بين تلك الدول الثلاث من أجل تصدير كميات الغاز تلك إلى أوروبا، قد أغضب القيادة التركية الممثلة في الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتركيا أيضًا لها علاقة اقتصادية عميقة وطويلة الأمد مع ليبيا، منذ أيام حكم معمر القذافي. والشركات التركية؛ خاصة التي تعمل منها في مجال الإنشاءات، حصلت على عدد ضخم من العقود لإنشاء البنية التحتية الليبية. ومنذ التزام تركيا بدعم الحكومة المُعترف بها دوليًا، بما فيه بيع معدات عسكرية متنوعة لتلك الحكومة، فإن الاتفاقية البحرية التي تم إبرامها بين تركيا وليبيا، تعُد هي المقابل الذي حصلت عليه أنقرة من حكومة الوفاق الوطني نظير الدعم التركي.

والأهم هو أن السلوك التركي مرتبط بالتقسيم الذي تشهده جزيرة قبرص حاليًا، بين الجنوب الذي توجد به حكومة قبرص المُعترف بها دوليًا، والشمال (جمهورية شمال قبرص التركية). وهذا التقسيم يعُد نتيجة للغزو التركي للجزيرة في العام 1974. والأتراك يدّعون أن قبرص اليونانية (الجنوب) لا يحق لها التنقيب عن النفط والغاز، دون حصول جمهورية شمال قبرص التركية على حصة من العائدات. وجمهورية شمال قبرص التركية لا يعترف بها أحد سوى أنقرة، وقد استغلتها أنقرة من أجل التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية للجزيرة القبرصية، وقد حاولت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إثناء تركيا عن تلك الأنشطة لكن دون جدوى.

وعلى أي حال، فإن الأنشطة التركية يجب رؤيتها من منظور أوسع، ويقول الأكاديمي التركي “أيهان أخطر” إن تلك الأنشطة هي نتيجة للعقيدة التركية الجديدة ويُطلق عليها “مافي فاتان” أو “الوطن الأزرق”، والتي تدّعي السيادة البحرية التركية الشاملة على بحر إيجة والبحر المتوسط، ومن ثم فإن تلك العقيدة ترمي إلى اقتطاع أجزاء من شرق البحر المتوسط لمصلحة تركيا على حساب جيرانها.

وإذا نظرنا للأمر من منظور أوسع، سنجد أن تلك التحركات تعكس طموحات أردوغان لجعل تركيا دولة مهمة، إن لم تكن الأهم على مستوى المنطقة وما حولها. وقد قامت تركيا ببناء قاعدة عسكرية في قطر، وقد شهدت تلك القاعدة العديد من التوسعات في الفترة الأخيرة. وبالمِثل؛ فقد قامت تركيا ببناء قاعدة عسكرية في الصومال في العام 2017. وتظهر الثقة بالنفس التي يتحلّى بها أردوغان وتتصاعد يومًا بعد يوم، من خلال التدخُل العسكري التركي مؤخرًا ضد أكراد سوريا. وهذا التدخُل التركي أغضب الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، الذي اعتاد على دعم الجيش الوطني الليبي.

وربما يحاول أردوغان أيضًا الاستفادة من ميزة علاقته الحالية مع دونالد ترامب، وقد نجح أردوغان في تحييد ترامب، الذي رفض بشدة الانصياع للكونجرس والقيام بفرض عقوبات على تركيا، بسبب مجموعة من الخطوات التركية السيئة، بدءًا من الاستهانة بالعقوبات المفروضة على إيران، إلى شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة S-400، وبعد كل شئ فإن تركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وقد استفاد الرئيس التركي أيضًا من ميزة الفوضى التي تشهدها واشنطن، والتغيُر الإيجابي الذي أبداه ترامب تجاهه، مما حدا بأردوغان إلى انتهاج سياسة خارجية تتميّز “بالمزيد من الاستقلالية” ولغة التهديد. والواقع أن التوقيع على الاتفاقية مع حكومة طرابلس جاء بعد زيارة أردوغان لواشنطن خلال نوفمبر الماضي وقبل عقد قمة الناتو الأخيرة. وبالمثل، فإنه بعد يوم واحد من عودة أردوغان من زيارة واشنطن، استهان أردوغان بالموقف الأمريكي بشكل واضح، عبر قيامه بتقديم دعم مالي، وهو الثاني خلال عام واحد، لنظام الرئيس نيكولاس مادورو.

وسياسة استعراض القوة التي يتبعها أردوغان نجحت بشدة في الداخل التركي، فقد قام البرلمان بالتصديق فورًا على الاتفاقية التي تم أبرامها مع ليبيا. وهناك أمر يدعو للحيرة، وهو نية أردوغان لتحدي اثنتين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، في وقت يهدد فيه الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات على أنقرة، بسبب أنشطة التنقيب التركية في المياه الإقليمية القبرصية، وربما ترى أنقرة أنها تحتاج إلى تحديد موقفها قبل أن تضع الحرب الأهلية الليبية أوزارها.

وحتى لو بدأت البحرية التركية في التنقيب بتلك المنطقة الجديدة، فإن الأمر سوف يستغرق سنوات إن لم يستغرق عِقدًا كاملًا قبل الحصول على نتيجة ذات معنى. وفي غضون ذلك، فإن الموقف الأحادي لأنقرة يثير التوتُر في المنطقة بلا داعي، وكالعادة سيتم الاعتماد على بروكسل (الاتحاد الأوروبي) وواشنطن لإيجاد حل لتلك المعضلة.

 

هنري ج. باركي هو كاهن يهودي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي، وهو مساعد كبير الباحثين لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، وقد تقلّد العديد من المناصب، فقد خدم سابقًا كعضو ضمن موظفي تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، وقد عمل بشكل أساسي في القضايا التي تخص الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط والمخابرات.