تصويت التونسيين للساسة الخارجيين أدى لتسليم مقاليد السلطة للقوى الداخلية

فيصل اليافعي

AFP Photo: Fethi Belaid

بحلول مساء الأحد الماضي، ومع ظهور نتائج ثاني الانتخابات التي تجري منذ اندلاع الثورة التونسية، كان من الواضح أن هناك زلزالًا سياسيًا على وشك الحدوث، ولم يكن من ضمن متصدري تلك الانتخابات من المرشحين رئيس الوزراء الحالي، ولا مرشح أكبر الأحزاب السياسية في البرلمان، ولا حتى الرئيس السابق، وبدلًا من ذلك، تصدّر السباق الانتخابي كل من نبيل القروي أحد أقطاب الإعلام والذي يقبع الآن في السجن، وقيس سعيد، وهو خبير في الشئون الدستورية يتمتع بالقليل من الشهرة، وحينما يقوم الشعب باختيار رئيس خلال الجولة الثانية المقرر عقدها خلال أسابيع؛ فإن عليه الاختيار بين أستاذ جامعي وسجين.

وقال رئيس الوزراء يوسف الشاهد: “لقد وصلتنا رسالة الشعب التونسي”، مُعترِفًا بالهزيمة التي لحقت به في الانتخابات، التي كان الرجل يعُد المرشح الأوفر حظًا فيها منذ شهور قليلة مضت، وفحوى الرسالة يشير إلى أن الشعب التونسي ضاق ذرعًا بالصراع السياسي الذي شهدته البلاد العام الماضي على الأقل، وكان أمام الشعب الاختيار بين عدد من الشخصيات السياسية البارزة، لكنه “لم يختر أحدًا” مما ذكرناهم في الفقرة السابقة.

واليوم فإن التونسيين لو كانوا يريدون تغييرًا هائلًا في الاتجاه السياسي؛ فمن المرجح أن تصيبهم خيبة الأمل، والمرشحين الاثنين الأوفر حظًا، والذين أتوا من خارج المجال السياسي لن يكونا قادرين على كسر الجمود السياسي، لأن هذا الجمود بات له جذور، واصبحهناكإجماع داخل الحياة السياسية في البلاد منذ اندلاع الثورة على هذا الامر، ودون وجود تفويض رسمي أو آلة حزبية قوية، أيًا كان من سيفوز بتلك الانتخابات، فسيبقى معزولًا.

وتعاني السياسة التونسية حالة من الفوضى منذ عام على الأقل، منذ انتهاء التحالف الحاكم الذي كان يتألف من حزبي “نداء تونس” والنهضة”، فضلًا عن الخلافات التي ظهرت بين رئيس الوزراء يوسف الشاهد والرئيس السابق الباجي قايد السبسي، الذي توفي خلال يوليو الماضي وهو في منصبه، مما أصاب الحكومة بالشلل.

ولم يكن من سبيل للخروج من حالة الجمود السياسية تلك، سوى الدعوة لإجراء انتخابات جديدة، وتوقفت الإصلاحات الاقتصادية الضرورية لشهور شابها الجدل، وتم إلقاء اللوم على الشقاق الذي حدث بين القوى السياسية، والذي اندلع بين الرئيس ورئيس الوزراء.

وكان السبسي قد اشتكى في مارس من أن الرئاسة باتت لا تملك القرارات التي تخص المهام الكبرى، ودعا السبسي إلى تعديل الدستور، وبعد وفاته، أعلن حليفه وزير الدفاع والمرشح الرئاسي عبد الكريم الزبيدي أنه حال انتخابه رئيسًا للبلاد؛ سيقوم بإعادة كتابة الدستور.

لكن هذا لن يحدث الآن، وحتى لو قام شخص آخر بتقديم اقتراحات، لا يمكن تصور مسألة أن البرلمان الجديد سيقوم بتسليم سلطاته طواعية لرئيس من الخارج، وهنا تكمن معضلة الرئيس الجديد، وهنا يوجد السبب الذي جعل آمال التونسيين في تغيير المسار السياسي عُرضة لخيبة الأمل.

والقوة الحقيقية في تونس تتركّز في البرلمان وليس الرئاسة، وبما أن كل من القروي وسعيد لا يملكان حزبًا سياسيًا يقف خلفهما، فأي منهما سيدخل في صراع مع الأحزاب السياسية، التي لديها أهدافها الخاصة بها، وأغلب الظن أن الأحزاب البرلمانية ستتعاون مع الرئيس في بعض القضايا، وسوف تقوم بتهميش الرئيس في بعض القضايا الأخرى، والاستمرار في ممارسة مهام الحكومة دون مساهمة الرئيس.

وسيواجه كل من المرشحين الرئاسيين الأوفر حظًا صعوبات فيما يخص الرد على موقف البرلمان، وبما أنه يتمتع بالذكاء لكنه خطيب غير مفوّه، فإن قيس سعيد من غير المرجح أن تكون لديه القدرة على استخدام السلطات الرئاسية المُطلقة، كي يتمكن من بسط نفوذه والحصول على دعم الشعب.

أما بالنسبة للقروي، وهو القابع في السجن بتهمة التهرب الضريبي، وهي التهمة التي أنكرها، فإن إمبراطوريته الاقتصادية تجعله عُرضة للتحقيق معه بدوافع سياسية.

لكن هناك سببًا أخر أكثر أهمية يبرر الجمود الذي أصاب السياسة التونسية، وكذا يبرر كيف يمكن للانتخابات القادمة أن تكسر هذا الجمود، وعلى مدار سنوات، كان التركيز الأكبر لرجال البرلمان ينصب على تسيير شؤون الدولة وليس إصلاحها، وبعد عودة حزب النهضة الإسلامي من الحظر إلى الحياة السياسية، كان مبعث القلق هو سعي الحزب للسيطرة على الحكومة بالكامل – تمامًا كما يتهم المنتقدون جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي ينتمي إليها محمد مرسي، بالسعي لفرض السيطرة المُطلقة، والتسبُب في انقسامات، التي تؤدي إلى انهيار النظام السياسي، كما حدث في بعض الدول العربية في أعقاب الربيع العربي.

وللتخفيف من حدة هذا القلق؛ عمدت حركة النهضة إلى جعل مسألة دعم النظام السياسي من أهم أهدافها، حتى ولو كان المقابل هو التضحية بنجاحات الحركة، لكن تلك المسألة أدت إلى سنوات كان فيها الحل الوسط هو سيد الموقف، في ظل تحالف مستقر، أو ما يسميه المنتقدون تواطؤًا بين النخب السياسية ضد مصلحة الشعب.

وما دفع التونسيين إلى الإحباط هو فقدان الأمل في تغيير حقيقي، وقد وصلت نسبة البطالة إلى 15%، وقد نجحت الهجمات الإرهابية في التأثير على قطاع السياحة الحيوي، ومنذ العام 2016؛ حين وافقت تونس على الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، تراجعت العملة التونسية أمام الدولار، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة.

وقد قامت الثورة بسبب الرغبة في تغيير حقيقي، وما كان يقلق الساسة هو احتمال حدوث التغيير على حساب استقرار المنظومة السياسية، وسيكشف المؤرخون لاحقًا عن أن الاختيار الصحيح قد غابعنالناخبين.

وما تعانيه تونس هو غياب السياسة الحقيقية، وما كانت تحتاجه تلك الانتخابات هو ظهور قائد لديه سلطات سياسية قوية، وكان من الممكن أن يؤدي هذا الدور شخص يتمتع بالدعم مثل الشاهد، أو أحد المرشحين الرسميين لكن من الخارجيين، أو مرشح قام بتحقيق نصر صريح في تلك الانتخابات.

وحتى الآن، فقد انتهى التونسيون إلى لا شيء، ونجاح المرشحين الخارجيين لم يؤد سوى لتسليم السلطة للقوى الداخلية.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا بالإضافة لآسيا وإفريقيا.