تونس في ورطة

سارة يركس

AFP photo: Fethi Belaid

تعرض أحد أعضاء البرلمان التونسي لاعتداء جسدي مرتين في قاعة البرلمان في أواخر الشهر الماضي، ويُعد ذلك الاعتداء تذكير صادم وصريح بمدى تدهور الأوضاع السياسية في البلاد. وبالرغم من أن تونس هي البلد الحر الوحيد في العالم العربي وفقًا لمؤسسة فريدوم هاوس، إلا أنها تواجه ثلاث أزمات في نفس الوقت، ولتك الأزمات القدرة على تقويض تقدم البلاد منذ ثورة 2011، وأيضًا إصابة مفاصل الدولة بشلل وظيفي كبير.

بدايةً، على صعيد المناخ السياسي. فالوضع السياسي في تونس في حالة انهيار، مع وجود حالة استقطاب وتفكك عميق وسام، وسياسيين متناحرين غير قادرين على مواجهة التحديات الاقتصادية والصحية الهائلة. وقد تضرر الاقتصاد بشدة من جائحة كوفيد -19، التي قضت على القطاع السياحي البالغ الأهمية للبلد. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في معدلات البطالة وانكماش الاقتصاد بنسبة 9٪ تقريبًا في عام 2020. وأخيرًا، اعترفت الحكومة صراحةً بأن تونس تواجه وضعًا صحيًا “كارثيًا”، حيث أدت موجات العدوى المستمرة بفيروس كورونا إلى أعلى معدل وفيات في إفريقيا.

وبمقدور أي أزمة من تلك الأزمات التي تعصف بالبلد نشر الفوضى في أي بلد أخر. ولكن في تونس، تلك الأزمات تغذي بعضها بعضاً، وتخلق حلقة مفرغة من التقاعس والبلبلة، والتي بدورها تهدد التحول الديمقراطي الهش. وكل هذا يبدأ وينتهي برجال السياسة.

وخلال العشر السنوات الماضية، سيطر على المشهد السياسي أحزاب الوسط المعتدلة التي تمكنت في كثير من الأحيان من تجاوز خلافاتها الرئيسية لبناء توافق في الآراء. لذلك، عندما أنشأ الرئيس السابق، الباجي قائد السبسي، حزب نداء تونس كقوة موازنة للحزب الإسلامي الشعبي، النهضة، في عام 2015، انتهى به المطاف مع ائتلاف النهضة.

لكن في عام 2019، افرزت الانتخابات أكثر الحكومات انقسامًا على مدى التاريخ التونسي، حيث حصل حزب النهضة الأكبر على ربع المقاعد في البرلمان وفاز 23 حزبًا بثلاثة مقاعد أو أقل. واللافت للنظر أن الرئيس قيس سعيد أنتخب بأغلبية ساحقة تبلغ 73 في المئة، على الرغم من عدم وجود حزب سياسي أو دائرة انتخابية واضحة وبعد القيام بحملات قليلة جداً، وفي ذلك إشارة واضحة على الإحباط الذي يشعر به الشارع التونسي تجاه النظام الجديد.

ويتزايد الانقسام السياسي في تونس مع مضي الأيام. فأحزاب الوسط التي هيمنت على الساحة السياسة في يوم من الأيام صارت تحت ضغوط القوى المتطرفة من كلا جانبي الجناح السياسي. فمن جانب، تسعى عبير موسي وحزبها الدستوري الحر إلى العودة إلى الحكم الديكتاتوري كما كان في عهد زين العابدين بن علي ووضع نهاية للانتقال الديمقراطي. ومن جهة أخرى، يطالب سيف الدين مخلوف وائتلاف الكرامة الذي يتزعمه، بدور أكبر للإسلام. والانقسام الفلسفي بين الاثنين ظاهر للعيان، لكن ما يُثير القلق هو الاتجاه المتزايد للهجمات العنيفة والشريرة داخل قاعات البرلمان.

وقد تعرض موسي لهجومين عنيفين في يوم واحد بتاريخ 30 يونيو، وقد تم كِلا الهجومين أثناء انعقاد إحدى الجلسات العامة. فالهجوم الأول كان من قبل النائب المستقل صحبي سمارة ثم من قبل مخلوف لاحقًا. ولا تؤدي هذه الهجمات إلى تعطيل عمل البرلمان وإعاقته من إجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية حاسمة فحسب، بل تساهم أيضًا في انخفاض مستوى الثقة بين الجمهور والمسؤولين المنتخبين. وبينما لا يزال معظم السياسيين التونسيين يدعمون الديمقراطية، تزداد شعبية موسي وحزبها الدستوري الحر، مع تزايد الدعوات للعودة إلى عهد بن علي التي صار لها صدى عند بعض التونسيين الغير قادرين على إطعام أنفسهم أو عائلاتهم والذي لا يرون سوى القليل من الفوائد الملموسة من الثورة التي اشعلوها.

وخارج قاعات البرلمان، ينشب خلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء التونسي، حيث يسعى سعيّد إلى ترسيخ السلطة في يد الرئاسة وتقويض دور رئيس الوزراء. ويمكن القول إن سعيد هو أكبر عقبة أمام نجاح تونس اليوم، من خلال رفضه التوقيع على تعديل حكومي أخير، فقد ترك أحد عشر مكتبًا وزاريًا بدون وزير، بما في ذلك وزارة الداخلية، التي يشرف عليه حاليًا رئيس الوزراء هشام المشيشي بالإضافة إلى مهامه الأخرى المعتادة.

ووضع سعيد أيضًا عقبات أمام جميع جهود الإصلاح الرئيسية، بما في ذلك رفض الموافقة على أعضاء البرلمان المختارين من المحكمة الدستورية، وهي أعلى هيئة قضائية في البلاد. وللمحكمة سلطة الفصل في الخلافات بين الرئاسة والحكومة، ومن المرجح أن تمنع سعيد من تنفيذ محاولاته لحل البرلمان ومكتب رئيس الوزراء.

والانشقاق والاقتتال السياسي لهما تداعيات خطيرة للغاية على استقرار تونس. فالبلد في حاجة ماسة إلى المساعدة الدولية وتسعى بكل جد إلى عقد اتفاقية جديدة مع صندوق النقد الدولي. كما تواجه ديونًا بمليارات الدولارات مستحقة في الأشهر القليلة المقبلة. ولكن مع وجود حكومة مختلة وظيفياً وغير قادرة على التوصل إلى اتفاق بشأن شروط صندوق النقد الدولي أو كيفية تقديم الإغاثة لأشد التونسيين فقراً، فليس هناك أمل كبير في التوصل إلى حل على المدى القصير.

ويجب على القادة السياسيين في البلاد أن يعترفوا علنًا وصراحتناً بمدى خطورة الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلد، وأن يبذلوا قصارى جهدهم لتنحية خلافاتهم جانبًا، والعمل على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية اللازمة. بالإضافة إلى ذلك، يجب على البرلمان ورئيس الوزراء معرفة سعيد على حقيقته – فهو شعبوي يساهم بكل نشاط في تعميق أزمات بلاده – وعليهم العمل مباشرة مع المانحين من دون التصادم معه لتأمين لقاحات Covid-19 وجلب إمدادات الرعاية الصحية الطارئة.

إن أي جُهد يمكن للطبقة السياسية في تونس بذله للتغلب على الطبيعة الشرسة والعنيفة للسياسة التونسية اليوم سيساعد في إعادة قناعات المانحين بأن تونس بحاجة ماسة للتغلب على الأزمات الثلاثية التي تواجهها اليوم.

سارة يركس زميلة أولى في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، حيث تركز على التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في تونس، فضلاً عن العلاقات بين الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. عملت سابقًا في وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكية