لماذا وقعت تونس في ورطة

الين ليبسون

AFP photo: Fethi Belaid

وقعت تونس في أزمة سياسية عميقة، فستكون معجزة إذا استطاع الرئيس قيس سعيد الوفاء بوعده بإرجاع النظام السياسي الديموقراطي الجديد خلال شهر واحد من الزمان. ففي مثل هذه المواقف الصعبة والمضطربة، يمكن لكل طرف التشبث بموقفه ونادراً ما تتحقق الشروط التي تسمح برفع تجميد الوظائف السياسية العادية. أضف إلى ذلك الدور الواضح والذي تلعبه بعض الدول العربية الأكبر أو الأقوى والتي لديها أهداف بضم تونس إلى التيار العام الذي يخلو من الديموقراطية ولا يتسامح مع تعددية الآراء السياسية، ومن الصعب رؤية ضوء في أخر النفق.

فهل ما حصل في تونس يُعد انقلاباً؟ هذا سؤال في غاية الأهمية، لأن له تأثير قوي على كيفية تعامل الدول الأجنبية مع ما يجري على الأرض في تونس. فعادة، يتطلب “الانقلاب” قلب النظام القائم عن طريق إزالة السلطة من على رأس الهرم واستبدالها. ولكن في هذه الحالة، قام الرئيس الحالي بالاستحواذ على المزيد من السلطة لنفسه، وقام بتجميد وظائف مراكز القوة الأخرى. علاوة على ذلك، يصر سعيد على أنه لم يتخل عن الدستور التونسي. وقد يندرج تصنيف هذه الأحداث ضمن فئة “الانقلاب الذاتي”، حيث تعمل الشخصيات السياسية المنتخبة شرعياً ضد مؤسساتها لإعادة صياغة النظام السياسي لصالحها.

ولدى الجهات المانحة الغربية لتونس وأصدقائها مصلحة حقيقية في تجنب السؤال برمته، وفي حالة الولايات المتحدة فقد سمح رفضها وصف الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي في عام 2012 بمصطلح “انقلاب” بمواصلة تقديم المساعدات واستخدامها كوسيلة ضغط لمحاولة إرجاع الأمور إلى المسار الديمقراطي، ولكن كان مصير تلك الاستراتيجية الفشل. وفي الجانب الأخر نرى أن العديد من أصدقاء تونس ينتقدون بشدة تصرفات سعيد، لكنهم حريصون كل الحرص على استمرار تدفق المساعدات لإنقاذ الاقتصاد التونسي الهش ومنع انهيار القطاع الصحي المتهاوي. لذا فإن الجدل حول ما يمكن تسميته أحداث 27 يوليو الماضي قد يكون جدلاً أكاديميًا في المقام الأول، حيث تفكر الحكومات الأجنبية بتمعن فيما يمكن عمله لإعادة البلاد إلى المسار الديمقراطي ومعالجة بعض مشاكلها الحادة.

وقد يكون من المفيد التمييز بين الثقافة الديمقراطية التي يتمتع بها الشعب التونسي وافتقار نظام الحكم بها للكفاءة الديموقراطية. فعلى الصعيد الثقافي، هناك مؤشرات تشير إلى أن التونسيين ما زالوا يعتقدون أنهم يعيشون في نظام ديمقراطي، وأن لهم صوت وحق الاختيار فيما يخص كيفية إدارة بلدهم. ومن ناحية أخرى، من الواضح إن الجزء المؤسسي فيما يخص الممارسات الديمقراطية لا يزال يشكو الضعف. لكن هذا لا يعني أن تونس ستنزلق مرة أخرى نحو الديكتاتورية. فلم يتخذ سعيد خطوات مثلما حصل في بعض الدول التي تراجعت فيها النظم الديموقراطية، مثل حل الأحزاب السياسية واحتجاز قادتها.

وقد بدأ الرئيس التونسي في اتباع قواعد اللعبة التي يستخدمها المستبدون، حيث اتهم الأحزاب السياسية وبعض رجال الأعمال بالفساد وربط علاقات مع الخارج، وقام بترهيب الإعلاميين. وقد يتمادى في ذلك السلوك.

وفي العديد من الدول الاستبدادية السابقة، غالبًا ما تولد السنوات الصعبة لبناء حكم أكثر مصداقية وشفافية حنينًا إلى حياة أكثر قابلية للتنبؤ في ظل أنظمة بوليسية. وهذا هو الحاصل مع دول المخابرات في الشرق الأوسط، حيث تعمل السلطة المدنية وقوات الأمن يداً بيد لقمع حرية التعبير والنشاط السياسي. ويلاحظ الصحفيون في تونس دعمًا كبيرًا لسعيد في صفوف الجماهير، الذين سئموا من الأداء الضعيف للحكومة مؤخرًا. كما يوضح أسامة الرمضاني وهو محرر جريدة العرب الأسبوعية ومسؤول سابق في الحكومة التونسية، حيث يقول “التونسيون ليسوا غير مبالين بالديمقراطية باستثناء أن الإجراءات الديمقراطية تأتي في المرتبة الثانية عندما يشعر المواطنون بالخطر المحدق على لقمة عيشهم واستقرارهم على المدى الطويل “.

فهل ستُلاقي تونس مصير مصر، التي انعكست فيها التغييرات التي أحدثها الربيع العربي رأساً على عقب؟ ومقارنة بالدول العربية الأخرى، لا تملك تونس قطاع أمني مُهيمن، وقد تصرف جيشها بنزاهة في الأسابيع التي سبق الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث رفض الجيش إطلاق النار على المدنيين العزل. لذلك فمن المثير للقلق معرفة أن قوات الأمن المصرية ربما كانت تقدم المشورة والنصح للحكومة التونسية في هذه الأوقات العصيبة.

ومنذ الأيام الأولى للربيع العربي وعصر ما بعد بن علي، لم تدرك الطبقة السياسية الجديدة في تونس أهمية الاقتصاد للشعب، والحاجة الماسة لإثبات أن حياة المجتمع ستتحسن بصورة مادية في ظل نظام ديمقراطي. وكان الكثير منهم ببساطة لا يفقهون شيء في تعقيدات الإصلاحات المصرفية والتنظيمية، أو كانوا غير مبالين بتكاليف سيطرة الدولة والرأسمالية على إمكانات النمو في البلاد. وبعد عقد من انتقالها السلمي إلى الديمقراطية، تضرر الاقتصاد التونسي بشدة. ويبدو أن السياسيين التونسيين يُركزون على صراعاتهم الشخصية والحزبية أكثر من تركيزهم على اتخاذ قرارات صعبة من شأنها أنعاش الاقتصاد وتوفير الوظائف.

ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير هو انتشار فيروس كرونا وما خلفه من بؤس وشقاء بين التونسيين. حيث تملك تونس الآن ثاني أعلى معدل وفيات على أساس نصيب الفرد في العالم، وقد يتضاعف عدد “عشرين ألف حالة وفاة” أكثر من ثلاثة أضعاف في الأسابيع المقبلة. كما يعاني نظامها الطبي من ضغوط هائلة، وقد أدت الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الإغلاق إلى معاناة جسدية ومادية كبيرة في البلاد.

ومن الصعب رؤية مسار سهل نحو الاستقرار على المدى القصير. فقد تؤدي الضغوط على البلاد إلى خلق اضطرابات داخلية، أو موجات جديدة من التطرف بين الشباب. ومن المفارقات أن تونس ساهمت بصورة مفرطة في دعم صفوف داعش، حتى عندما كانت تفعل المزيد لبناء ثقافة ديمقراطية أكثر من أي بلد آخر في المنطقة.

وسعيد هو باحث دستوري وذو أفكار اجتماعية محافظة، ولا يبدو أنه لا يملك سمات القائد صاحب الرؤية أو الملهم للشعوب. وليس من الواضح ما إذا كان لديه الشجاعة والقناعة لطمأنه البلاد وشركائها في أوروبا والولايات المتحدة بأنه لم ولن يتخل عن المسار الديمقراطي لتونس. وتحتاج البلاد إلى المساعدة مع انتشار فيروس كوفيد، وأيضاً للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ولكن ما لم يتمكن سعيد من الوفاء بعهده بجعل ما قام به من أفعال مؤقتاً للغاية، فإن الشعب التونسي والدور الذي قاموا به كنموذج طموح للمنطقة سيكون هو الخاسر.

إلين ليبسون، نائبة سابقة لرئيس مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي، وتشغل حاليًا منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية شار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ميسون في فيرجينيا. وهي رئيسة ومديرة تنفيذية سابقة لمركز ستيمسون بواشنطن.