تهديد ترامب للآثار وعلماءه

جوناثان جرونال

AFP Photo: Sarah Lai

ربما انحسرت الصدمات الناجمة عن تهديد دونالد ترامب بتدمير 52 موقعًا ثقافيًا في إيران حيث تجاوزتها التقلبات الأخيرة في لعبة التمرد الفتاكة التي تلعبها واشنطن وطهران. ولكن لا يزال هناك أشياء يمكننا أخذها بعين الاعتبار.

ومن المفارقات التي توضح تضارب أفعال ترامب و ازدراءه للآثار هو أن دولة أمريكا هي التي دعت في مؤتمر البيت الأبيض المنعقد في عام 1965 من قبل ليندون جونسون لأول مرة لإنشاء صندوق التراث العالمي لحماية “المعالم التاريخية التراثية و مستقبل المواطنين في جميع أنحاء العالم …” . وفي عام 1972 ، تبنت هذا الاقتراح الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك الولايات المتحدة، باعتبارها الاتفاقية المتعلقة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي.

وكل ما يمكننا قوله عن نتائج هذا الاقتراح المذهل الذي اقترحه رئيس الولايات المتحدة للاستهزاء بالقانون الدولي، المنصوص عليه في اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الملكية الثقافية في حالة نشوب صراع مسلح، هو أنه أثار إدانة العالم أجمع. فقد احتجت مجموعة من الأصوات المتباينة موضحة أنه بعيدًا عن اختلاف الجنسيات والحدود والاختلافات الفكرية، نجتمع جميعًا تحت تراث واحد مشترك يسمو فوق العداوات والولاءات. يوجد أغلب هذا التراث المشترك في الشرق الأوسط، فهي المنطقة التي تأصلت فيها الزراعة والديانات السماوية والقراءة والكتابة وبناء المدن الأولى، والتي أسست ازدهار البشرية عبر المرور بثقافات مختلفة امتدت من مصر في الغرب إلى العراق وإيران وما ورائها.

تعد إيران الحديثة ، وهي الدولة المنحدرة من الإمبراطورية الفارسية، والتي بلغت أوجها في القرن السادس قبل الميلاد حيث امتدت من ليبيا إلى وادي السند، موطنًا لنسبة كبيرة من الكنوز الأساسية للتراث البشري.

فقد حصلت إحدى المعالم المشهورة من بين 24 معلماً في إيران على جائزة مركز اليونسكو للتراث العالمي، وتعد أشهر هذه المعالم، وهي مدينة برسيبوليس، عاصمة الإمبراطورية الأخمينية التي أسسها سايروس الكبير والتي يرجع تاريخها إلى حوالي 500 سنة قبل الميلاد حيث كُتب علي الأعمدة والمنحوتاتالتي ما زالت موجودة منها حتى الآن الكثير من تاريخ الحضارة الحديثة ويجب ألا يجرؤ أي أحد على التفكير في تدمير أي جزء منها.

ومن المفارقات الأخرى أن الحكومة الأمريكية انضمت إلى مجموعة الأصوات الدولية التي احتجت عند إدانة تدمير تماثيل بوذا التي يبلغ عمرها 1700 عام في باميان بأفغانستان على أيدي طالبان في عام 2001، وأدانت الخراب الثقافي الذي أحدثته داعش في المواقع التاريخية في سوريا والعراق مؤخرًا في عام 2015.

ومع ذلك ، يبدو أن ما يشغل بال البيت الأبيض و يجعله يشعر بالراحة هو تهديده بتبني تلك التكتيكات نفسها في خلافه المستمر مع إيران.

وتعتبر أصوات مجتمع التراث الدولي هي على الأغلب الأقوى من بين جميع الأصوات التي أثيرت ضد تهديد ترامب بما في ذلك المعهد الأثري الأمريكي. أما بالنسبة للصندوق العالمي للآثار، فقد أشار إلى ما أحدثته الجماعات الإرهابية من دمار للتراث قائلا “بينما يعتقد المعتدون في مثل هذه الحالات أنهم يعادون “الطرف الآخر”، إنهم في الواقع يضرون أنفسهم .و استطرد مشيرًا إلى أنه ” لا يمكن السماح للاختلافات السياسية أن تهدد أحد العوامل المشتركة التي تعمل على توحيدنا جميعًا –ألا و هو تراثنا العالمي المشترك. “

حيث تظهر إنسانيتنا المشتركة الخالدة بوضوح في التعاون الموجودحول العالم بين علماء الآثار التابعين لدول مختلفة –والتي غالبًا ما تكون متعارضة، ويتضح ذلك في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر.

يبدو أن ترامب الذي لا يلق بالًا لمصير علماء الآثار الإيرانيين ومصير أي من المدنيين المتواجدين بالقرب من هذه الأماكن الأثرية ، لم يضع في اعتباره أن تلك المعالم الأثرية الموجودة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك تلك الموجودة في إيران، يتردد عليها بانتظام علماء الآثار التابعين للعديد من الدول ، بما في ذلك الولايات المتحدة.

و مثال ذلك، المعلم الأثري الذي يسمي PardisTepeالذي يعود تاريخه إلى 7000 عام الواقع في طهران، حيث يعتقد العديد من الخبراء أن العجلة ، وهي الاختراع الذي أحدث ثورة في التنمية البشرية، ربما تكون قد ظهرت فيه منذ ما يقرب من 5000 سنة قبل الميلاد. وجميع عمليات التنقيب التي تمت في هذا الموقع لا ترجع لعلماء الآثار الإيرانيين وحسب، بل تمت بالمشاركة مع علماء آخرين من عدد من جامعات بريطانية.

وبالرغم من تدهور الوضع السياسي- منذ قيام ترامب بسحب أمريكا من الصفقة النووية مع إيران وتعزيز العقوبات ضدها، إلا أن علماء الآثار من ألمانيا وإيطاليا واصلوا العمل في عدة مواقع أثرية في إيران، منها برسيبوليس وفيروز آباد.

فقد صرح بيرفرانشيسكو كاليري، وهو أستاذ في قسم التراث الثقافي بجامعة بولونيا وخبير في علم الآثار في تاريخ إيران ما قبل الإسلام ، “أن الفريق الإيطالي ملتزم بمواصلة تعاونه مع زملائنا الإيرانيين، ونأمل بشدة أن كلمات [ترامب] لن يتبعها أي فعل حقيقي”.

كما قام المواطنون الأمريكيون بالسفر إلى إيران في جولات تراثية نظمها المعهد الأثري الأمريكي. و لكن تم إلغاء الزيارة المقررة هذا العام ، التي كان من المفترض أن تتم في شهر أبريل، و ذلك في ضوء تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. ولكن كان من المقرر أن يقوم اثني عشر شخصًا بزيارة اثنى عشر معلمًا أثريًا من معالم التراث العالمي لليونسكو بما في ذلك برسيبوليس وباسارجادي (عاصمة سايروس الكبير) وقصر جولستان في طهران الذي يعود للقرن الثامن عشر والمركز الديني الساساني لتخت إي سليمان.

إن اغتيال قاسم سليماني كان يهدف بشكل جزئي إلى تعزيز فرصة ترامب في الفوز عند إعادة انتخابه وهو ما كان واضحا- يوم 9 يناير- عندما تباهى بالقتل أمام جمهور من الموالين في تجمع انتخابي. ولكن كيف كان سيكون الموقف أمام قاعدة ناخبيه لو قامت الصواريخ الأمريكية بتدمير آلاف السنين من تاريخ البشرية وقتلت أيضًا علماء الآثار من إيران والعديد من الدول الأخرى؟!

يعمل علم الآثار من خلال القيام بالجولات حول العالم لاستكشاف وتوثيق تراثنا المشترك على تذكيرنا بما يجمعنا وإثارة قوة ماضينا المشترك لخلق الأمل بمستقبل أقل انقسامًا. ومن ثم فإن قيام ترامب بازدراء هذا التراث المشترك يبدد هذا الأمل.

 

يعمل جوناثان جورنال كصحفي بريطاني، وكان يعمل سابقًا في ذا تايمز، و قد عاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الآن في المملكة المتحدة.