قد تكون صفقة ترامب مع كوريا الشمالية أقل تعقيدا من محاولة نزع السلاح النووي عن إيران

حسين عبد الحسين

فقد حقق الرئيس الأمريكي الذي يصعب التنبؤ بما سيفعله معجزة دبلوماسية بكل المقاييس. ففي أقل من ستة أشهر تحول ترامب من تهديد كوريا الشمالية ب “صب وابل نيرانه عليها” إلى لقاء كيم كونغ يونج والثناء عليه. وبينما أعلن الاثنان بداية جديدة “لعملية نزع السلاح النووي” عن كوريا الشمالية، تراقب دول أخرى لديها نفس القضية الشائكة، كإيران، الأحداث على الرغم أن ما ينطبق على بيونج يانج لا ينطبق على إيران.

فلطالما ربط العالم بين الدولتين ربما لسعي كل من كوريا الشمالية وإيران لامتلاك السلاح النووي بينما يهددان بمحو الغرب من على خريطة العالم. ولكن بخلاف وجود أنظمة استبدادية معادية للغرب تسعى لامتلاك السلاح النووي، فان بيونج يانج وطهران لديهما القليل من القواسم المشتركة. فإن كان كسر شوكة كوريا الشمالية النووية أمرا شديد الصعوبة فإن الأمر سيكون أكثر صعوبة مع إيران.

لقد أصبح نشوب حرب بين كوريا الشمالية وأمريكا ضربا من الماضي. كما أن الحرب الباردة قد وضعت أوزارها وتحولت الدول الشيوعية- وعلى رأسها روسيا والصين-إلى الرأسمالية الضارية (وأسبغ كل منهما عليها سماته الفردية). فبعد تفكير عميق، أصبحت مهمة بيونج يانج أسهل نسبيا: فبالتخلي عن السلاح النووي والانضمام إلى نادي النمور الأسيوية فسيتسنى لها اللحاق بقاطرة النمو الاقتصادي الذي تخلفت عنه لعقود.

فإبان العقود التي عملت خلالها دول ككوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة على النهوض باقتصادها، كانت بيونج يانج تعمل جاهدة على توطيد حكم كيم من خلال الحصول على التقنيات النووية والصواريخ وكانت هذه البرامج مدعاة لفخرها. ولكن اليوم يبدو كيم مهتما بالاقتصاد على الرغم من أن حكمه سيظل موصوما بالاستبداد والقوة الغاشمة.

فبالنسبة لكيم يكمن التحدي في التأكيد لإدارة ترامب أن أسلحته النووية سوف تذهب في نهاية المطاف بلا عودة. ومن أجل هذا يتوقع كيم أن تخفف أمريكا من نبرة التهديد باستخدام القوة وتسمح لكوريا الشمالية بالانخراط في الاقتصاد العالمي. ومن أجل تحقيق ذلك تعهد كيم بالتوقف عن اختبارات القذائف الصاروخية بينما تعهد ترامب بالتوقف عن “المناورات الحربية” معتبرا كوريا الشمالية كموقع متميز -بين الصين وكوريا الجنوبية – يمكن من خلاله إنشاء الفنادق والمنتجعات الشاطئية. وأخيرا تتضمن الضمانات الأمنية لكوريا الشمالية عدم سعي الولايات المتحدة لتغيير النظام في بيونج يانج.

المشكلة الحقيقة هي هل سيفي كيم بوعوده؟ أو هل سيغير الرئيس الأمريكي من تعريف نزع السلاح النووي من “نزع كامل وقابل للتحقق ولا رجعة فيه ” إلى ترك كيم يدعي أنه قد تخلى عن أسلحته النووية بينما هو في الحقيقة يخفيها. فمنذ انتخابه في 2016 أثبت ترامب أنه بارع في التراجع عن وعوده التي قطعها في وقت سابق وإعادة توظيفها. فإذا كانت الصفقة التاريخية مع كوريا الشمالية تحتاج إلى إعادة صياغة سوف يكون ترامب سعيدا بالقيام بذلك. فمن خلال خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران علمنا أن الرؤساء الأمريكان لديهم قدرة بارعة على عقد مثل هذه الصفقات رغم الافتقار إلى الضمانات طويلة الأمد.

وتتماثل رؤية ترامب لعقد صفقة مع كوريا الشمالية ورؤية أوباما للاتفاق النووي مع إيران الذي قدم مزيد من التنازلات للإيرانيين.

ولكن مع كوريا الشمالية الصفقة واضحة المعالم: تفكيك بيونج يانج أسلحتها النووية وفي المقابل يعيد العالم دمجها في مجتمعها الدبلوماسي والاقتصاد العالمي على قدم المساواة. بينما مع إيران يدخل عنصر ثالث في اللعبة: “أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار” في الشرق الأوسط وحول العالم. لذلك فإنها بخلاف كوريا الشمالية التي تشتهر بكونها “المملكة المنعزلة”-ومن ثم ينصب تركيزها على الحفاظ على بقاءها أكثر من كونها مصدرا لأيديولوجيتها السياسية -تعمل إيران عن كثب على نشر نفوذها وتوسيع سلطتها الدينية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. (فكوريا الشمالية لا تمتلك مثيلا لحزب الله والحوثيين الموالين لإيران على سبيل المثال). لهذا السبب تراوغ إيران في أي اتفاق مما يجعل أي شخص يشعر بالقلق من إجراء أي تسوية للمسألة النووية مع إيران.

فمثل ترامب، أراد أوباما أن يفتح الباب للمفاوضات فإبان حملته تعهد أوباما بإرسال وزيري دفاعه وخارجيته إلى طهران للقاء نظيريهما الإيرانيين وعندما أوصد الإيرانيون الباب كتب أوباما للقائد الأعلى آية الله خامنئي مرارا، وطارد الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وعندما حُمل روحاني على الرد على مكالمته اعتبر أوباما ذلك الحوار التليفوني حدثا تاريخيا عاقدا واحدا من المؤتمرات الصحفية النادرة له للترويج له.

أراد أوباما أن يعيد إيران إلى مرحلة ما قبل 1979، فقبل كل شيء، فإن واشنطن هي التي بدأت البرنامج النووي الإيراني إبان حكم الشاه رضا بهلوي. فإذا ما عادت طهران حليفا لأمريكا فإن سلاحها النووي وفقا لهذا الطرح سوف يكون في أيدي أمينة وتتحول من الأنشطة المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط إلى لعب دور رجل أمريكا الذي يحافظ على الامن في المنطقة، وذلك كما يحدث في الحرب الأمريكية الإيرانية المشتركة ضد داعش في العراق

ولكن على النقيض مما أراد أوباما لم تصبح إيران أبدا صديقا فقد استغلت التنازلات الأمريكية في العراق، فعقدت معها صفقة حظر مؤقت لتخصيب اليورانيوم مستخدمة ثروتها المكتشفة حديثاً لتمويل وتسليح الميليشيات عبر الشرق الأوسط. فبينما صافحت إيران أمريكا بيدها اليمنى كانت تضمر الشر فكانت تمول ميليشياتها المعادية للولايات المتحدة وتسلحها وتسدي لها النصح بيدها اليسرى. كما استغلت إيران إنهاء العقوبات لجذب الأوروبيين – من خلال إبرام عقود مع شركاتهم العملاقة – بعيداً عن أمريكا. من ثم أضرت صفقة أوباما مع إيران ضررا بالغا بأميركا، وبالتالي كانت مآلها الفشل.

ومع توقيع ترامب وكيم على صفقة نزع السلاح النووي فان السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تنجح كوريا الشمالية فيما أخفقت فيه إيران؟ ويأتي الجواب على المسألة النووية غير نوويًا على الإطلاق.

AFP PHOTO/VAHID REZA ALAEI