العقيدة العسكرية الجديدة للرئيس “ترامب” وتكرار أخطاء كلينتون وأوباما

فيصل اليافعي

مع بدأ أول اجتماع يعقده الرئيس ترامب هذا العام مع فريق عمله، كان مسموح للقنوات التلفزيونية بحضور هذا الاجتماع وتوجيه عددًا من الأسئلة إلى الرئيس ترامب. وعكست الملاحظات التي أبداها الرئيس ترامب خلال هذا الاجتماع رؤيته الثاقبة حول عقيدته العسكرية الحالية في سوريا وأفغانستان، وهما الدولتان اللتان تعهد ترامب بتقليص عدد القوات الأمريكية فيهما أو سحبها بشكل كامل. ويمكن تلخيص هذه العقيدة العسكرية في جملة: فليحارب غيرنا.

وبسرد الحوار الذي دار بين ترامب والقادة الأمريكيين بخصوص أفغانستان، سأل الرئيس قياداته عن سبب وجود القوات الأمريكية في منطقة معينه في أفغانستان وسط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وحركة “طالبان”. وسألهم أيضًا، لماذا لم تتركوا تنظيم الدولة وطالبان يقاتلوا بعضهم بعضا؟ ولماذا نقحم قواتنا في هذا القتال؟” “فلندعهم يقتتلان”.

وأكد ترامب أيضًا ألا يوجد حيطة بشأن ما قد يحدث بعد رحيل القوات الأمريكية عن سوريا، وقال “بوسع إيران أن تفعل ما يحلو لها” في سوريا بمجرد تخفيض عدد القوات الأمريكية في سوريا – وهذا الأمر كفيل بإثارة مخاوف حلفاء أمريكا في المنطقة.

وجاءت تعقيبات القادة الأمريكيين مؤيدة للنهج الذي يميل إليه ترامب وهو عدم التدخل في السياسة الخارجية، غير أنهم أشاروا أيضًا إلى عدم الاهتمام أو الفهم المقلق لتداعيات الانسحاب المفاجئ من سوريا أو أفغانستان. ومن ثم ستكون الفرصة سانحة لأعداء أمريكا لملء الفراغ الناتج عن انسحاب قواتها من سوريا وأفغانستان، وتشير التجارب السابقة إلى إمكانية تفاقم الوضع في المستقبل. وارتكب الرئيسان كلينتون وأوباما الخطأ ذاته، وكانت التكلفة باهظة، وربما يكرر ترامب ارتكاب الخطأ ذاته.

ورغم أن وجهات نظر الرئيس ترامب تتوافق مع التقليد الراسخ لدى الأمريكيين بعدم التدخل في شئون الدول ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية محاطة باثنين من المحيطات الكبيرة، إلا أن أمريكا لم تواجه تهديدات من جيرانها كالتي تواجهها الآن في أماكن أخرى من العالم. ويشعر الكثير من الأمريكيين بسعادة بالغة بسبب انعزال أمريكا وتجاهلها لأوضاع باقي دول العالم مادامت تلك الدول بخير.

وبعد الفشل المدوي في حرب العراق، تعزز شعور العزلة لدى الأمريكيين، ومن ثم تعين على السياسيين الأمريكيين تفادي أخطاء الحرب في العراق وقد أصبحت فترة الرئيس جورج دبليو بوش نبراسا يسير عليه السياسيين. مع العلم أن منهج عدم التدخل كلف الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا، ويؤمن العديد من الرؤساء الأمريكيين بهذا التوجه، ولهذا حاولوا انتشال الولايات المتحدة من الحروب التي تخوضها في أماكن مختلفة حول العالم، غير أن الانسحاب الأمريكي أطلق العنان لأعداء أمريكا ليفعلوا ما يحلو لهم.

وارتكب الرئيسان السابقان من الديمقراطيين هذا الخطأ. ففي فترة التسعينات، وحتى بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي في العام 1993، وتفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا في العام 1998، كان كلينتون رافضًا لفكرة الدخول في صراع خارجي في أفغانستان حيث موطن تنظيم القاعدة. وبعد هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر في العام 2001، توجهت الانتقادات مرة أخرى لإدارة كلينتون لتفويتها فرصة تقويض تنظيم القاعدة وقتل أسامة بن لادن وبالتالي منع وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

وحدث الشيء ذاته بين تنظيم الدولة الإسلامية وإدارة أوباما، والتي تعرضت لانتقادات بسبب عدم الالتفات جيدًا إلى تلك الجماعة بعد ظهورها في العراق، مما أدى بتلك الجماعة إلى النمو وتعزيز نفوذها في أرجاء البلاد، كما أن ترك البلاد للجماعات الأخرى كان سببًا في زيادة خطر تلك الجماعات على الولايات المتحدة الأمريكية.

إن الارتباك الذي ينتاب ترامب بصفته رجل مدني فيما يتعلق بحجم التدخل الأمريكي في شئون الدول الأجنبية يقابله يقينًا حالة من الارتباك تنتاب العديد من الأمريكيين البسطاء. وكان الرئيس ترامب قد أعرب مرارًا وتكرارًا عن اندهاشه من أنه لزاما على الولايات المتحدة أن تمارس هذا الدور الهام على الصعيد العالمي سواء من خلال تقديم المساعدات المالية أو من خلال الحماية العسكرية لحلفائها.

بيد أن ما يثير القلق هي تلك اللامبالاة التي تعتري التدابير التي يتخذها ترامب، كما أن اقتراحه بأنه يجب على اليابان، وهي الدولة التي تحظى بحماية من الغطاء النووي الأمريكي، أن تطور ببساطة أسلحتها النووية من شأنه أن يغير السياسة الأمريكية الثابتة على مدار عقود من الزمان.

ولا يدل هذا على أنه لا جدوى من الانتقادات التي يوجهها ترامب للقادة العسكريين، فهناك توجه يتكرر تلقائيًا لدى الأجهزة العسكرية وأجهزة الاستخبارات مفاده أن تكرار فعل الشيء ذاته معناه الحاجة إلى مزيد من التمويل.

ولهذا من حق السياسيين المدنيين حضور هذا الاجتماع وتوجيه أسئلة صارمة إلى ترامب، غير أنه في بعض الأحيان، يبدو وكأن ترامب يفتقر إلى المعرفة العميقة بسياق الموضوع.

إن الأوضاع التي تشهدها أفغانستان في الوقت الحالي يعود معظمها إلى الاعتداء الأمريكي

المدمر على البلاد. فإذا ما رحلت القوات الأمريكية ببساطة عن البلاد، فسيكون تنظيم الدولة الإسلامية قادرًا على الانتصار وهزيمة الحكومة الأفغانية ببساطة، وسيكون هذا كارثة على الشعب الأفغاني والشعوب المجاورة لهم وأي دولة يقرر تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة استهدافها داخل الأجواء الآمنة التي اكتسبوها مؤخرًا في أفغانستان، وهي نفس التداعيات التي ستترتب على خروج الولايات المتحدة فجأة من سوريا.

إن الأمر لا يتعلق بكون رحيل القوات الأمريكية عن أي من الدولتين هي سياسة جيدة في حد ذاتها أم لا، بل يتعلق بالفشل في تقييم أثر ذلك الرحيل المفاجئ وتداعياته وهي أن الجماعات قد تملئ ذلك الفراغ الناجم عن الرحيل المفاجئ للقوات الأمريكية.

إن عدم التدخل في شئون الدول أو خلق فراغ متعمد له تداعياته. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدر على الدخول في جميع الصراعات، ولا يجب عليها ذلك، بيد أن التحلل من عقود من التدخل الأمريكي في شئون الدول الأجنبية لا يمكن أن يحدث بين يوم وليلة، أو بقرار رئاسي، فهناك العديد من الدول تستثمر ثروات طائلة ودماء مواطنيها دعمًا للسياسة الأمريكية، ويدين ترامب لهم بوضع خطة ماهرة لرحيل القوات الأمريكية.

ومن المعلوم أن ترامب قد يرى أن عدم التدخل في شئون الدول هو الخيار الأسهل، لكنه لا يرغب في تكرار أخطاء إدارة جورج دبليو بوش في العراق. ورغم أنه يسعى لتفادى أخطاء سلفه الجمهوري، فإنه يواجه خطر ارتكاب نفس الأخطاء التي وقع فيها آخر رئيسيين من الحزب الديمقراطي.

AFP PHOTO/MANDEL NGAN