أجندة السياسة الداخلية لكل من ترمب ونتنياهو وخامنئي باتت خطرًا على السلام في الشرق الأوسط

دنيانيش كامات

AFP photo: Atta Kenare

الحسابات السياسية لبنيامين نتنياهو ودونالد ترمب وعلي خامنئي – سوف تُحدّد ما إذا كان الشرق الأوسط سيشهد حربًا أم سيشهد سلامًا بدرجة ما خلال العام 2021، لكن من الواضح أن المستقبل القريب لا ينذر بالخير.

ويواجه بنيامين نتنياهو أصعب المعارك السياسية في حياته هذا العام؛ حيث يذهب الإسرائيليون إلى مراكز الاقتراع في شهر مارس للإدلاء بأصواتهم في رابع انتخابات تشهدها إسرائيل خلال عامين، وخلال العام الحالي أيضًا ستصل اتهامات الفساد بحق نتنياهو إلى ذروتها، وعلى الرغم من أن المؤسسات الإسرائيلية تتمتع بالاستقلال ظاهريًا إلا أن نتنياهو لديه الكثير ليفعله من أجل التأثير على نتائج الإجراءات التي سوف تتم بحقه إذا ما استمر في منصب رئيس الوزراء، ويواجه نتنياهو في الانتخابات القادمة تهديدًا قويًا يمثله تيار اليمين السياسي، حيث قام أحد زملائه السابقين في الحزب بتشكيل حزب سياسي خاص به يمثل تيار اليمين، ولمواجهة هذا الأمر سوف يعتمد نتنياهو على سياسة “التجمُع حول راية البلاد” عبر تصعيد التوتر مع إيران، وفي إطار هذا المسعى فإن نتياهو لديه حليف لاينقصه الحماس سيظل قابعًا في البيت الأبيض حتى العشرين من يناير على أقل تقدير.

والحقيقة يبدو أن كل من نتنياهو ودونالد ترمب يعملان سواء ضمنيًا أو بصورة مشتركة لتنفيذ استراتيجية “الأرض المحروقة” ضد إيران، وهذا يستلزم تصعيد التوتر مع إيران إلى مستوى معين بحيث إذا ما تم خطأ في الحسابات من أحد الطرفين ينتهي الأمر إلى حدوث هجمات تتخطّى حدود معينة، وبما يؤدي في النهاية إلى اندلاع حرب شاملة، وسوف يؤدي هذا الأمر إلى استحالة عودة جو بايدن إلى الاتفاق النووي مع إيران، وبالنسبة لطهران فأنه سيؤدي إلى صعوبات تمنع حتى تظاهُر إيران بحدوث انفراجة في العلاقات مع الولايات المتحدة.

وعلاوة على خطاب التهديد الصادر من تل أبيب وواشنطن؛ هناك هجمات استهدفت الحرس الثوري الإيراني ووكلاؤه في المنطقة أو هجمات حدثت في الداخل الإيراني، وكما يُشاع بقوة الآن فإن إسرائيل كانت وراء اغتيال محسن فخري زادة الذي يُعتبر الأب الروحي للبرنامج النووي الإيراني، وقامت إسرائيل أيضًا بتصعيد الهجمات ضد قوافل الأسلحة التي ترسلها إيران إلى ميليشيا حزب الله، وكذا تصعيد الهجمات ضد المنشآت التابعة للحرس الثوري الإيراني في سوريا، وفي مطلع ديسمبر شنّت إسرائيل هجمات صاروخية استهدفت المقاتلين المدعومين من إيران في سوريا ومركزًا للأبحاث تابع للحكومة السورية يُشاع أنه كان يضم خبراء من إيران يعملون به، وفي خطوة غير مسبوقة توجهت غواصة إسرائيلية إلى الخليج كجزء من خطة انتشار واضحة تتم فوق سطح الخليج.

وفي أمريكا الواقع يقول أن دونالد ترامب ربما يشارك بنيامين نتنياهو العداء ضد إيران، وعلى أي حال فإن ترامب أيضًا يعمل وفقًا لحسابات سياسية تصب في ذات الاتجاه، فبالإضافة إلى قيامه بتصدير مشكلة كبرى تخص السياسة الخارجية إلى إدارة بايدن المقبلة ربما يأمر ترامب بالهجوم على إيران لإرضاء القاعدة السياسية المناصرة له، والواقع أن ترامب يُشاع أنه عقب خسارته للانتخابات قام بالتشاور مع كبار مستشاريه العسكريين حول إمكانية شن هجمات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وللمرة الأولى على مدار 8 أعوام قامت الولايات المتحدة في ديسمبر بإرسال غواصة تحمل صواريخ توما هوك كروز إلى مياه الخليج، وفي الثلاثين من ديسمبر أرسلت الولايات المتحدة اثنتين من القاذفات الاستراتيجية بي-52 للتحليق فوق مياه الخليج لأجل استعراض القوة ضد إيران.

وفي إيران يواجه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ضغوطًا سياسية هائلة، خاصة مع قدوم شهر يناير وحلول الذكرى الأولى لاغتيال قاسم سليماني الذي قامت به الولايات المتحدة، وحتى قبل اغتيال محسن فخري زادة فقد تعهّد النظام في سبتمبر بالثأر لمقتل سليماني، وسترد إيران عبر الاستراتيجية التي طالما حاولت تنفيذها وقامت باختبارها، وذلك عبر الدفع بوكلائها في المنطقة لشن هجمات ضد الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وفي العشرين من ديسمبر تعرّضت السفارة الأمريكية في بغداد لوابل من الصواريخ، وهو يعُد أضخم هجوم صاروخي من نوعه تم على مدار 10 سنوات، وحتى مع قيام السلطات العراقية بإلقاء اللوم على “جماعة خارجة على القانون” في تنفيذ الهجوم الصاروخي إلا أن هذا لم يوفر لطهران سببًا منطقيًا لإنكار المسؤولية عن الهجوم، وفي تغريدة له عقب الهجوم قام ترامب بتحذير إيران، وفي تطور حدث مؤخرًا حذّر مسؤولون بوزارة الدفاع الأمريكية من وجود احتمال كبير بقيام إيران بتوجيه مجموعة من الضربات ضد عناصر ومنشآت أمريكية في العراق، وذلك مع ورود تقارير تفيد بتنسيق هائل بين الميليشيات العراقية وفيلق القدس ونقل أسلحة تقليدية من إيران إلى العراق.

واليوم فقد باتت هناك ضغوطًا على خامنئي للرد على الولايات المتحدة ليس فقط للثأر من أجل سليماني ولكن من أجل تحقيق هدفين سياسيين آخرين، الأول هو رغبة خامنئي الذي بلغ من العمر 81 عامًا في تثبيت الإرث السياسي الخاص به بعد أن قاربت حياته السياسية على الانتهاء، والثاني هو التأكيد على انتصار أحد حلفائه في الحرس الثوري الإيراني خلال الانتخابات الرئاسية المقرر لها يونيو القادم، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يقوم حسين دهقان قائد سلاح الجو سابقًا في الحرس الثوري الإيراني ومساعد خامنئي حاليًا بالإعلان عن ترشُحه لمنصب الرئيس، وعقب هذا الإعلان بفترة قصيرة هدّد دهقان بشن هجمات صاروخية ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وعلى مدار الأشهُر الستة القادمة سوف يشهد الداخل الإيراني منافسة من أجل التصعيد مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي ظل هذا المناخ حيث بات التصعيد مع الخارج يغلب على المنافسة السياسية في الداخل الإيراني؛ فإن الوقوع في خطر الحسابات الخاطئة بات احتمالًا قويًا، وعلى العكس من الحرب الباردة، فإن الأطراف المتحاربة لم توقّع على معاهدات تضع خطوطًا حمراء أو خطوطًا ساخنة للتواصل يمكن استخدامها من أجل تهدئة التوتر، وبما أن العام 2021 بات يتمتع بالأهمية بالنسبة للأحداث السياسية لكل دولة، ومع مواجهة الساسة الذين يجلسون على قمة هرم صنع القرار ضغوطًا من أجل التصعيد عوضًا عن التهدئة فإن احتمال أن يتمتع الشرق الأوسط بالهدوء في العام 2021 بات مطلبًا بعيد المنال.

يعمل دنيانيش كامات كمحلل سياسي، وهو متخصص في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما يقدم استشارات للحكومات حول السياسات والمبادرات الاستراتيجية، وتطوير الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.