من العجيب أن التصدي لوباء الجراد يتطلب استنساخه!

جوناثان جرونال

AFP Photo: Tony Karumba

هناك سبب وجيه يدعو لاستخدام الجراد في كلٍ من الكتاب المقدس والقرآن الكريم للتعبير الأمثل عن انتقام الله. ومنذ زمن بعيد، كان الجراد الصحراوي يتغذى على كدح أجيالٍ لا حصر لها من المزارعين في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهذا ما يفعله الجراد الآن في منطقة القرن الأفريقي. وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من وباء آخر “مقلق للغاية” وهو وباء الجراد.

لم يكن مصدر هذا الهجوم الأخير قابلاً للتنبؤ به فحسب، بل ورد بالفعل في أحد كتب العهد القديم وهو “سفر الخروج”. ويعتقد العلماء أن كتابة هذا السفر ربما كانت بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. ويتعلق “الخروج” بأن موسى “هبط برفقة أتباعه” على مصر، وأرسل الرب ريحًا شرقية في أنحاء مصر [و] بحلول الصباح كانت الريح قد جلبت الجراد “الذي التهم على الفور كل شيء ينمو في الحقول، وكل شيء نبت على الأشجار”.

إنها الريح الشرقية التي جلبت المجاعة التي يطل علينا شبحها في الوقت الراهن. وبعبارة أخرى، كان ينبغي أن نتنبأ بها. وبالإضافة إلى السابقة التاريخية لتلك المجاعة، هناك دليل دامغ على حدوثها وهو أنماط الطقس الاستثنائية الأخيرة التي شهدتها مناطق التكاثر التقليدية لأسراب الجراد والتي تهدد الآن بحدوث مجاعة في كينيا وإثيوبيا وتنزانيا والصومال وأوغندا وجنوب السودان.

ونشأت العديد من الأسراب عبر البحر الأحمر، ولا سيما في الربع الخالي، أو ما تُعرف بصحراء الربع الخالي الشاسعة والمشتركة بين المملكة العربية السعودية واليمن وعمان والإمارات العربية المتحدة، ونشأت أيضًا في جنوب إيران وأجزاء من الهند وباكستان. وقد غمرت سلسلة من العواصف المدارية الناشئة فوق المحيط الهندي مناطق التكاثر القاحلة عادةً، ونتج عن تلك العواصف زيادة أعداد الجراد أضعاف المرات.

عادة ما تستعيد الطبيعة توازنها بعد الزيادة الكبيرة في أعداد الجراد، وذلك مع جفاف الصحراء وتآكل الغطاء النباتي. ورغم ذلك، تبين أن أنماط الطقس الغريبة صديقة للجراد. وإن هطول الأمطار غير المسبوق لا يخلق ظروفًا مثالية لوضع بيض الجراد فحسب، بل تسببت أيضًا في نمو النباتات الصحراوية النادرة فجأة ، مما يوفر مصدرًا غذائيًا وفيرًا.

يكون الجراد في أضعف حالاته عندما يكون مجرد بيض في الأرض، مع صعوبة رؤيته. وعندما يفقس البيض في أعداد كبيرة ليخرج لنا “النطاط”، فيمكن حينها التعامل معها بسهولة. لكن المشكلة هي أن تلك هذه المستعمرات غالباً ما تكون في مناطق نائية، وتفتقر الدولة إلى الحافز للتعامل مع تلك المستعمرات. وقريباً، ستنتقل تلك المستعمرات، وتسبب المشكلات لدولة أخرى.

وبعد عملية الفقس، لا يزال النطاط غير قادر على الطيران، ويظل مخلوقًا وحيدًا بشكل أساسي. ولا يلتحق هذا النطاط بالسرب إلا بعد أن يكون قادرًا على الطيران، والتحليق في الجو بشكل جماعي وامتطاء الرياح الشرقية إلى مراعي جديدة، تمامًا كما كانت عليه منذ العصور القديمة. وتختلف أحجام السراب، بدءًا من واحد كيلو متر مربع، والذي يضم حوالى عدد “40” من الجراد، وصولاً إلى عدة مئات من الكيلومترات المربعة. وفي ظل استهلاك كل جراد ما يعادل وزنه تقريبًا – 2 جرام – من الطعام الطازج يوميًا، فإن سربًا متواضعًا بحجم كيلومتر مربع يكون قادرًا على إبادة ما يقرب من ستة أفيال أو 20 من الإبل أو 35000 شخص في يوم واحد.

وقد يغطي سراب الجراد مساحة تصل إلى 130 كم في اليوم، ويظل عالقًا في الهواء لعدة أيام في الوقت ذاته، ولذلك فإن البحر الأحمر – والتي تمتد أوسع نقطة له مسافة “300” كيلومتر – يمثل حاجزًا لهذا السراب. وفي عام 1988، استغرق سرب واحد 10 أيام فقط لقطع مسافة “5,000” كيلو متر عبر المحيط الأطلسي.

وإذا كانت الظروف مناسبة، يبدأ الجراد في تكرار دورته الحياتية عندما يبلغ وجهته الجديدة. وتحذر منظمة الأغذية والزراعة من “انتشار الفقس، وتشكيل المجموعات” في الأسابيع المقبلة في كينيا وإثيوبيا والصومال. وفي الوقت نفسه، “يستمر التكاثر غير الطبيعي بطول جانبي ساحل البحر الأحمر”، وتظهر أسراب جديدة في المرتفعات اليمنية، وفي مناطق شمال غرب باكستان، وعلى طول الساحل الجنوبي لإيران. وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة وقوع “تهديد غير مسبوق للأمن الغذائي وسبل العيش” في القرن الأفريقي بحلول مارس.

واليوم، باتت البشرية أكثر دراية بهذا الأمر مقارنة بما كانت عليه في الأيام التي تم فيها تسجيل تلك المعلومات المتعلقة بالتأثير المدمر للجراد. فلماذا لم نقضي على هذا الجراد الصحراوي؟

إن قتل الجراد ليس بالأمر الصعب. فالطريقة الأساسية هي تسميمه بالمبيدات الحشرية، باستخدام الطائرات أو المركبات، أو حتى أدوات الرش اليدوية. وهناك أساليب أشد قسوة، مثل تكوين انفجار من قاذف اللهب، أو دفن النطاطات في الخنادق. ومع ذلك، يتطلب كل هذا التمويل والتعاون بين البلدان التي يتكاثر فيها الجراد، والبلدان التي تهاجر إليها ويتسببون في دمارها.

ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة، هناك سببًا رئيسيًا في الفشل في مكافحة الجراد، وهو عدم قدرة البشرية على “الاحتشاد” – على النقيض من احتشاد “الجراد” – لتكون على قلب رجلٍ واحد في تلك القضية المشتركة. ومن المؤكد أن كون الكثير من المناطق التي يتكاثر فيها الجراد هي مناطق نائية و هو أحد العقبات الرئيسية في مكافحة الجراد، ورغم ذلك هناك عقبات أخرى ومنها انعدام الأمن في هذه المناطق بسبب الصراعات، و”العلاقات السياسية بين البلدان المتضررة”.

وبعبارة أخرى، إن القضاء على الجراد الصحراوي يتطلب من البشر القيام بشيء نفتقر إليه، وهو: تجاوز الاختلافات المحلية البسيطة، والعمل معًا من أجل الصالح العام.

يحدث وباء الجراد بسبب أنماط الطقس المتغيرة، وهو الأمر الذي مايزال مرفوضًا لدى الكثير من أصحاب القرار. ويجب أن يكون التغير المناخي تحذيرًا مبكرًا لما هو قادم. ولكن من الناحية العملية، قد يثبت أن التغير المناخي مجرد شكلاً آخر من أشكال انتقام الطبيعة، والذي نتجاهله باختيارنا حتى فات الأوان.

 

جونثان جورنال، صحافي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.