القضاء على الملاريا مشروط باستخدام مادة “دي دي تي” مجددًا

جوناثان جرونال

AFP Photo: Sia Kambou

منذ ثلاث سنوات، عزمت منظمة الصحة العالمية على مواجهة مرض الملاريا بصورة أكثر صرامة، هذا المرض الذي أودى بحياة أكثر من 435,000 شخص في عام 2017، وكان أكثر من نصف هذا العدد من الأطفال دون سن الخامسة. وتحقيقًا لهذا الغرض، تشكّل فريق بحثي خاص لدراسة جدوى القضاء على المرض من على وجه الأرض. وفي الشهر الماضي، خلُص تقرير الفريق الذي طال انتظاره إلى أنه “يمكن القضاء على الملاريا بل ويجب القضاء عليها بحلول عام 2050”. لقد كان القضاء على الملاريا “حلمًا بعيد المنال” لفترة طويلة، حسبما أعلن أحد الأعضاء البارزين في الفريق الاستشاري الاستراتيجي لدى منظمة الصحة العالمية. أمّا اليوم، بات القضاء علي هذا المرض ممكنًا في جيل واحد.

من شأن هذا الانتصار الكبير للصحة العامة أن يكون إنجازًا عظيمًا، ولاسيما بالنسبة لسكّان 15 بلدًا، معظمهم في جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، حيث بلغت نسبة المصابين بهذا المرض في عام 2017 80% من إجمالي 219 مليون حالة مصابة بالأمراض المنقولة بالبعوض في جميع أنحاء العالم. لكنّ التقرير أخفق في الاعتراف بالحقيقة المخزية؛ أن الملاريا كان يمكن أن تختفي من هذه المناطق منذ أجيال لو لم يتخذ الغرب قرار معاكسًا بشأنه.

قبل الحرب العالمية الثانية، انتشر مرض الملاريا في أوروبا والولايات المتحدة كما هو الحال اليوم في بعض البلدان النامية، التي لا يزال المرض حتى يومنا هذا يأتيّ على الأخضر واليابس فيها. لقد قُضيّ على هذا المرض بفضل مادة كيميائية فعالة للغاية في قتل البعوض والحشرات الأخرى الحاملة للأمراض، حتى إنه في عام 1948، نال مكتشفها، الكيميائي السويسري بول هيرمان مولر، جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء وفي الطب.

بالنسبة للملايين في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا، كانت مادة “ثنائي كلورو ديفينيل تراي كلوروميثيل ميثان، المعروفة باسم “دي دي تي”، معجزة أنقذت الحياة من الدمار، وقد شاع استخدامها لأول مرة خلال الحرب للقضاء على أوبئة قصيرة المدى مثل التيفوس والملاريا وحُمَّى الفَواصِد (حمى ذبابة الرمل) التي تسببت في مقتل أفراد من قوات الحلفاء أكثر مما كانت تخلّفه هجمات العدو في بعض ساحات المعارك. في عام 1955، اعتمدت منظمة الصحة العالمية مادة “دي دي تي” سلاحها المفضّل في إطار برنامجاها العالمي الأول للقضاء على الملاريا، والتي يشهد على نجاحها مجموعة من الأوراق البحثية – التي دخلت طي النسيان الآن. وبحلول عام 1967، تم القضاء على الملاريا من جميع البلدان المتقدمة.

على الرغم من ذلك، كان برنامج القضاء على الملاريا الذي استمر لـ 14 عامًا، والذي بدأ في عام 1955- كما كتب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في مجلة “لانسيت” الطبية الشهر الماضي – “يعيب عليه منذ البداية بأنه أغفل منطقة أفريقيا المدارية، وهي المنطقة التي لا تزال تتحمل العبء الأكبر لهذا المرض القاتل”. والأسوأ من ذلك، أنه بعد أن قضت مادة “دي دي تي” على الملاريا في معظم البلدان المتقدمة، استيقظ ضمير الغرب حول العواقب الأوسع المحتملة للمادة الكيميائية على البيئة وقرّر أنها لم تعد مادة مناسبة. وغني عن القول أن منطقة أفريقيا المدارية لم يؤخذ بآرائها حول مدى ملائمة مادة “دي دي تي” في التعامل مع هذا المرض.

كان الدافع هو “الربيع الصامت”، كتاب نُشر في أمريكا عام 1962 ونُسب إليه الفضل على نطاق واسع في إطلاق الحركة البيئية العالمية. بعدما استوحت عالمة الأحياء راشيل كارسون أفكارها من رسالة من أحد الأصدقاء حول غياب الطيور في حديقتها صباح أحد أيام الربيع، فقد شنّت هجومًا حماسيًا على مادة “دي دي تي” والمبيدات الحشرية الأخرى التي زعمت أنها “أسكتت أصوات الربيع في عدد لا حصر له من المدن في أمريكا”.

كان لهذا الكتاب أثر ملحوظ. أيدت المنظمات والمؤسسات، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، تنبيهات الكتاب بشأن التأثير المحتمل لمادة “دي دي تي” في الأنظمة البيئية وبدأت في فرض قيود على استخدامها ثم حظر استخدامها. بحلول عام 1969، كانت منظمة الصحة العالمية قد تخلّت عن استراتيجيتها في القضاء على مادة “دي دي تي” وقررت لاحقًا الاعتماد على شبكات اصطياد الناموس و “التشخيص المبكر والعلاج المناسب”؛ وهي سياسة تقتضي نوعًا من أنظمة الرعاية الصحية الفعالة غير الموجودة في العديد من البلدان الأكثر تضرراً من الملاريا.

تلخّص الرياء المحيط بنبذ مادة “دي دي تي” في موقف الصندوق العالمي للحياة البرية. في تقرير نُشر في عام 1998، ورد أنه في حين أن “كلا من الملاريا والمواد الكيميائية المستخدمة للسيطرة عليها تشكل تهديدًا لصحة الإنسان”، فإن مادة “دي دي تي” تشكًل تهديدًا للتنوع البيولوجي أيضًا، ومن ثم يجب ألا يعتمد البشر على حمايتها بعد ذلك.

هذا التكافؤ الزائف أوضح الموقف الصالح الجديد تجاه البيئة. كان الخطر الذي تشكّله مادة “دي دي تي” على صحة الإنسان ضئيلاً مقارنةً بالضرر الذي تسببه الملاريا ذاتها. بالإضافة إلى ذلك، كان من المستحيل تجاهل الاستدلال بأن الحياة في البلدان النامية كانت تحمل وزنًا أقل من ذلك القائم في الغرب، حيث بدا أثر استخدام المادة الكيميائية على الصحة العامة.

لقد حاول العلماء مرارًا وتكرارًا استعادة سمعة مادة “دي دي تي”، ولكن دون جدوى. في عام 1999، بينما كان برنامج الأمم المتحدة للبيئة يعمل على حظر “الملوثات العضوية الثابتة”، بما في ذلك مادة “دي دي تي” كتب فريق مكوّن من 380 طبيبًا وعالمًا من 57 بلدّا، من بينهم ثلاثة حاصلين على جائزة نوبل في الطب، رسالة مفتوحة يناشدون فيها المفاوضين باتباع الفطرة السليمة واتخاذ الرأي الصائب في هذا الشأن… وأن حظر مادة “دي دي تي” قد يكون “مدعومًا من معظم الدول الغربية الغنية والعديد من المنظمات غير الحكومية البيئية”، إلا أن المادة الكيميائية الرخيصة والفعّالة كانت “أداة مهمة في القضاء على الملاريا، التي لا تزال آفة مريعة تجتاح العالم النامي. لم يكن السؤال الوحيد ذو الصلة هو ما إذا كانت مادة “دي دي تي” تشكّل مخاطر صحية من عدمه، ولكنه دار حول “ما إذا كانت هذه المخاطر تفوق الفوائد الهائلة التي تعود على الصحة العامة من مادة “دي دي تي”؛ وقد خلُص العلماء كما في رسالتهم إلى أن “المخاطر لا تفوق الفوائد.” بل إن حظر مادة “دي دي تي” سيسفر عنه زيادة عدد الوفيات زيادة هائلة”.

أمّا فيما يتعلق بمخاطر مادة “دي دي تي”، فقد أشارت دراسة نشرت في مجلة “لانسيت” الطبية في العام التالي إلى أنه على الرغم من انتشار استخدام المادة الكيميائية على نطاق واسع منذ 55 عامًا، إلا أن التهديد المتوقع على صحة الإنسان والبيئة “لم يؤكده أي تحقيق علمي متكرر”.

في عام 1964، توفيت راشيل كارسون، التي نبذت مادة “دي دي تي” في كتابها الأول، بعد عامين فقط من نشر الكتاب. تحت عنوان “ما يحتاجه العالم الآن هو مادة “دي دي تي”، أشار مقال نُشر في مجلة نيويورك تايمز في عام 2004 إلى أن راشيل كارسون ذكرت أن كتابها لم يتضمن في موضع منه أي شيء مفاده أن مادة “دي دي تي” مسؤولة عن “إنقاذ عشرات الملايين من الأرواح، وربما مئات الملايين”. كان المقال حازمًا في خاتمته: كان “الربيع الصامت” “يقتل الأطفال الأفارقة الآن”.

واليوم، أصبحت راشيل كارسون بطلة الحركة البيئية. وبعد عام من وفاة راشيل كارسون، توفي بول مولر، الحائز على جائزة نوبل، والذي أنقذ اكتشافه ملايين الأرواح البشرية، إلا أن سمعته توارت تحت الثرى. لن تؤدي مادة “دي دي تي” دورًا في الحملة “الطموحة والحتمية والقابلة للتحقيق” التي أُطلقتها منظمة الصحة العالمية مؤخرًا للقضاء على الملاريا في جيل واحد؛ بل إنه دور المال فحسب. في عام 2017، تم ضخ أكثر من 3 مليارات دولار في إطار جهود مكافحة الملاريا والقضاء عليها في البلدان التي لا يزال المرض مستوطنًا فيها. لكنّ هذا – حسب منظمة الصحة العالمية – أبعد من أن يكون كافياً؛ ذلك أن بلوغ الهدف المتمثل في تقليل عدد حالات الإصابة بالملاريا والوفيات بنسبة 90 % في 29 بلدًا والتي تمثل 95 % من العبء العالمي للمرض، سيتطلب ضخ 34 مليار دولار إضافي.

وحول هذا الهدف، تقول منظمة الصحة العالمية إن بلوغه سيمثّل “تحديًا”، لكنّ القضاء على الملاريا سيمنع إصابة ملياري شخص وينقذ أربعة ملايين شخص؛ وسيكون ذلك بالفعل “انتصارًا إنسانيًا مذهلاً”. لكن، إلى أي مدى سيكون هذا الانتصار أكبر وكم سيكون أكثر إنسانية لو لم يخطئ العالم في تحقيقه منذ نصف قرن لينقذ أراوح ملايين البشر الذين راحوا ضحايا هذا المرض منذ ذلك الحين.

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا لدى صحيفة ذا تايمز، كان يعيش ويعمل في الشرق الأوسط، ويقطن الآن في المملكة المتحدة.