تعليق جميع الرحلات الجوية للوقاية من الأوبئة (وهذا لن يحدث)

جوناثان جرونال

AFP Photo: Adam Tanjung

يجب عليك سيدي الفاضل ، التحقق من المسافة التي بينك وبين الركاب الجالسين أمامك وخلفك وأنت على متن الطائرة . وإذا كنت جالسًا في الدرجة السياحية، فمن المحتمل أن تكون “المسافة بين المقاعد” في المكان حوالى 0,75 و0,85 مترًا. وإذا نظرت يمينًا ويسارًا، ستجد أن المسافة بينك وبين المقاعد بجوارك أقرب من ذلك – ما بين 0.4 و0.5 متر، وذلك بحسب اشتراطات و مواصفات تصميم المقاعد التابعة لشركة الطيران، و حسب المكان الذي تسافر إليه.

وفي ظل الأزمة التي يشهدها الوضع الصحي العالمي في الوقت الراهن بسبب انتشار فيروس كورونا “2019-nCov”، ستصبحتلك المسافات المتقاربة أكثر خطورة من الشجار على المقاعد المنحنية للأمام ، ومساند الذراعين “المشتركة”. وتتعلق تلك الأزمة بأهمية ما أسمته منظمة الصحة العالمية بـ”العزل المجتمعي” في معرض نصيحتها عن كيفية تجنب الإصابة بالفيروس الجديد.

ومثل كل أمراض الجهاز التنفسي، ينتقل فيروس كورونا “2019-nCov” بين البشر عبر رذاذ السعال والعطس. و حسب التوقعات، فإن الفيروس سيتنتر عبر الجو و سيتم تنفسه. وتقول منظمة الصحة العالمية أنه يجب أن يحافظ الإنسان على مسافة متر واحد على الأقل بينه وبين غيره”.

وهنا يجب على أي شخص توخي الحذر وهو على متن الطائرة.

وهناك اعتقاد بأن فيروس كورونا “2019-nCov” موجود في الخفافيش وانتقل إلى البشر عبر حيوان وسيط آخر، مثله في ذلك مثل أمراض متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) قبلها. وبالنسبة لمتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد “سارس”، والذي نشأ في الصين أيضًا، كان الحيوان منشأ الفيروس هو “القط الزباد”، والتي يتناولها الصينيون لأنها من الأطعمة الشهية. وانتقلت متلازمة الشرق الأوسط التنفسية إلى البشر عن طريق “الإبل”. وفي الصين، هناك آكل النمل الحرشفي باهظ الثمن بسبب الخصائص الطبية المفترضة في حرشفته، و يباع بشكل غير قانوني في عدة أسواق مثل سوق مدينة “ووهان”، وهو أيضًا من الحيوانات المشتبه بها مؤخرًا في نقلها لتك العدوى.

غير أن آكل النمل الحرشفي والإبل والقطط الزباد لا تطير، لكن البشر يتنقلون من بلد الي بلد، ومع ذلك، وفي ظل زيادة عدد سكان الطبقة المتوسطة حول العالم، فهناك استعداد لدى البشر بأن يستمروا في السفر جوًا بصورة متزايدة حيث ارتفع عدد المسافرين جوًا سنويًا من حوالى “1,5” مليار مسافر في عام 1998 إلى 4 مليار مسافر في عام 2018، ومن المتوقع أن يستمر هذا العدد في الازدياد بمعدل “3,5%” سنويا، ليصل عدد المسافرين جوًا إلى 8 مليار مسافر بحلول عام 2037.

ولأن خصائص الوباء الأخير، سواء كان فيروس كورونا “2019-nCov”أو الفيروس القادم، باتت واضحة، فإن السبب الحقيقي للوباء هو وجود الطائرة وليس الحيوان.

وبينما يتدافع العلماء لتطوير لقاح للفيروس، و مع احتمالية إمكانية السيطرة على فيروس كورونا “2019-nCov” من عدمه – لا يمكن الحكم على مستقبل هذا الفيروس الذي أصاب حوالى “35,000” شخص اعتبارا من 9 فبراير ، وحصد أرواح أكثر من “800” شخص، وتسبب في وفاة حتى الآن أعداد أكثر من التي حصدها فيروس “سارس”. وإنه من المؤكد من خلال الرسومات البيانية التوضيحية لانتشار الفيروس في أماكن بعيدة مثل منتجع “فرنش سكي” ومؤتمر الأعمال في سنغافورة، أنه بدون الرحلات الجوية، ما كان لفيروس كورونا “2019-nCov”أن يغادر مدينة “ووهان”.

إن سفر البشر وتنقلهم كان السبب الجذري لجميع الأوبئة التي هددت البشرية في الماضي. فعلى سبيل المثال، هناك “الموت الأسود”، أو ما يُعرف بـ”الطاعون”، والذي أودى بحياة ما يصل إلى 400 مليون شخص في القرن الرابع عشر، من بينهم نصف سكان أوروبا. وسافر هذا المرض عبر الطرق التجارية لطريق الحرير قبل الشروع في استخدام السفن في شبه جزيرة القرم، وانتشر المرض، عبر البراغيث والجرذان السوداء التي حملتها تلك السفن، إلى كل ميناء في البحر الأبيض المتوسط وخارجه.

وكان مرض الطاعون قد فتك بمنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، عبر موانئ مثل الإسكندرية، وانتقل إلى أوروبا من خلال القسطنطينية، والتي أصبحت مركزًا مشهورًا لتبادل البضائع والأمراض. وانطلاقًا من المناطق الساحلية في مصر، انتشر الطاعون في عمق الجزيرة العربية على طول الطرق التجارية البرية التقليدية. ومع حلول عام 1349، وصل الطاعون إلى كلٍ من مكة والموصل وبغداد.

وارتبط الوباء -الذي أصبح عالميًا- بتطور آخر في تنقلات البشر – مثل التعبئة التي تتم للجنود من أجل الحرب العالمية الأولى، والتي شهدت أولاً تكدس مليوني شاب أميركي في معسكرات التدريب ثم في سفن القوات العسكرية المتجهة إلى أوروبا.

وحمل هؤلاء الجنود معهم الأنفلونزا، في شكل فيروس “H1N1” يرجع سببه إلي الطيور، وانتشر هذا الفيروس كالنار في الهشيم بين المعسكرات المكتظة بالجنود في الولايات المتحدة الأمريكية. وأصاب الوباء الناتج عن هذا الفيروس خلال الفترة 1918-1919 ثلث سكان العالم، وحصد أرواح حوالى “50” مليون نسمة، وهو عدد أكبر بكثير من قتلى جميع القنابل والرصاص خلال الحرب العالمية الأولى والتي دامت أربع سنوات.

وكان سبب هذين الوبائيين هو ما أسماه علماء الأوبئة “بشبكة التنقلات البشرية”، وما من شك أن السبب في الوباء القادم سيكون أيضًا كذلك. وفي العام الماضي، خلص تقرير صادر عن “مجلس رصد الاستعداد العالمي” التابع لمنظمة الصحة العالمية إلى أن العالم لم يكن مستعدًا “للتهديد الحقيقي المتمثل في وباء فتاك وسريع الانتقال يصيب الجهاز التنفسي، وأودى بحياة ما بين 50 إلى 80 مليون شخص، وتدمير حوالى “5%” من الاقتصاد العالمي”.

يمكننا اتخاذ جميع التدابير الوقائية التي تنصحنا بها منظمة الصحة العالمية – مثل ارتداء الأقنعة، وغسل اليدين بشكل متكرر بالصابون والماء أو الجل المركز بالكحول، والحفاظ على “العزل المجتمعي”، وما إلى ذلك – وتبقى أكثر الوسائل الدفاعية للوقاية من الوباء القادم تعليق جميع الرحلات الجوية.

وهذا بالطبع، لن يحدث أبداً، لأن السفر جوًا من أساسيات الاقتصاد العالمي الحديث، ونشاط حيوي لدولٍ مثل الإمارات العربية المتحدة – وكان مطار دبي الدولي، والذي استقبل 86 مليون مسافر في عام 2019، قد احتفل هذا الشهر بأنه المطار الأكثر ازدحامًا في العالم للسنة السادسة.

وهذا يتركنا أمام حقيقة غير مطمئنة. بنفس الطريقة التي ننظر بها إلى الوفيات على الطريق على أنها تكلفة مقبولة نظير الحريات الشخصية التي توفرها السيارة، لذلك فنحن نقبل ضمنيًا أن العدوى العالمية سريعة الانتشار، ورغم كل الخسائر والمعاناة الناتجة عنها، هي تكلفة مقبولة نظير ثمن ترف غير ضروري في الأساس ألا و هو السفر جوًا.

وسواءً تبين أن فيروس كورونا “2019-nCov” كان مجرد طلقة تحذيرية أم لا، فهناك وباء قادم – ولا خلاف على حدوثه ولكنها مسألة وقت كما يقول علماء الفيروسات. وعندما يحدث هذا الفيروس، فسيكون هذا في الواقع عبر طائرة إيرباصA320، أو طائرة بوينج 737، أو أي طائرة أخرى، وعندها فقط ستكون التكلفة الحقيقية للتنقل البشري واضحة بدرجة مخيفة.

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.