من أجل مقاومة صعود الصين؛ الولايات المتحدة بحاجة لمساعدة حلفائها العرب

حسن الحسن

AFP Photo: Mohammed Mahjoub

اليوم يرى الاستراتيجيون في الولايات المتحدة صراعًا مع الصين حول احتلال موقع القوة العظمى، وأن هذا الصراع يمثل الهاجس الأمني الأول بالنسبة لواشنطن على حساب محاربة الإرهاب، ولهذا يرى البعض أن دول الخليج العربي لم تعُد تحتل مكانًا مهمًا بالنسبة للحسابات الجيوستراتيجية الأمريكية، كما كان الأمر في السابق خاصة إبان الحرب الباردة، علاوة على ذلك؛ فإن التوقف عن الاعتماد على الخليج للحصول على النفط بسبب ظهور تكنولوجيا الوقود الصخري، أو كما تزعم واشنطن، فإن المنطق الجيو اقتصادي الذي كان يعُد سببًا قويًا للتواجد العسكري الأمريكي في الخليج لم يعُد قائمًا، وبينما تظل كل من إيران وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة تسبب قلقًا لواشنطن؛ فإن الولايات المتحدة سعت إلى إعادة توظيف إمكانياتها العسكرية بعيدًا عن القيادة المركزية الأمريكية؛ التي تشمل منطقة الخليج العربي، وتخصيص تلك الإمكانيات لمسرح العمليات في الهند والمحيط الهادئ، وذلك بغرض مواجهة التواجد العسكري الصيني في تلك المنطقة.

وعلى أي حال، فإن دول الخليج العربي تُعتبر عنصرًا أساسيًا تجاه معضلة مواجهة الآثار الناتجة عن تعاظُم النفوذ العسكري والاقتصادي للصين، فالموقع الجغرافي لتلك الدول بالإضافة إلى المخزون النفطي وعوامل الجذب الاقتصادي، تشير إلى أن أية استراتيجية أمريكية تهدف لمواجهة النفوذ الصيني تستدعي الارتباط بشكل مستمر ومنتظم بشركاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج.

وفي كتابه “عودة عالم ماركو بولو.. الحرب والاستراتيجية والمصالح الأمريكية في القرن الواحد والعشرين”، يقوم الخبير والمحلل الأمريكي روبرت كابلان بتحديد المنطق العسكري وراء عملية دمج الحضور العسكري الأمريكي داخل الاستراتيجية الأوسع نطاقًا في منطقة الهند والمحيط الهادئ، ودعا كابلان إلى دمج مسألة “التواجد العسكري الأمريكي في منطقة الخليج الفارسي مع التواجد العسكري في منطقة بحريّ الصين الجنوبي والشرقي”، مع “زيادة حضور الأسطول في منطقة الهند” من أجل دعم التواجد الأمريكي طويل المدى لمواجهة المد الصيني.

ومن بين جميع دول الخليج العربي؛ تقف سلطنة عُمان منفردة فيما يخص قربها الجغرافي من مضيقي هرمز وباب المندب، لذا فإن موقع السلطنة له أهمية استراتيجية فيما يخص السيادة البحرية وإمكانية السيطرة – أو على الأقل منع سيطرة الخصوم على – خطوط الاتصال البحرية الحيوية في المحيط الهندي. وفي مارس من العام 2019 وقّعت الولايات المتحدة اتفاقية مع سلطنة عُمان تضمن للأسطول الأمريكي حرية الدخول إلى مينائي الدقم وصلالة، وهذين المينائين بالإضافة إلى وقوعهما في طريق الممر الخطر المؤدي لمضيق باب المندب فإن موقعهما على البحر العربي، يجعلهما بمثابة نقاط رئيسية تتوسط الطريق بين القاعدة البحرية الصينية في جيبوتي وبين ميناء جوادر الباكستاني، الذي يحمل أهمية اقتصادية كبرى للصين، وبمعنى آخر فإن سلطنة عُمان قد تحولت إلى لاعب رئيسي في صراع القوى الكبرى حول المحيط الهندي.

وبخلاف المجال البحري؛ فإن دول الخليج تملك نفوذًا هائلًا فيما يخص صراع القوى الكبرى كما تملك نصيبًا معتبرًا من سوق السلاح العالمي، والمملكة العربية السعودية على سبيل المثال، احتلت المركز الأول كأكبر مستورد للسلاح على مستوى العالم في الفترة بين عامي 2015 و2019، وبلغ حجم الواردات السعودية 12% من إجمالي واردات السلاح على مستوى العالم، واحتلت الإمارات العربية المتحدة مركزًا ليس ببعيد، حيث حلّت في المركز الثامن بين مستوردي الأسلحة على مستوى العالم.

وعلى مدار السنوات القليلة الماضية اتجهت كل من السعودية والإمارات إلى الصين من اجل الحصول على التكنولوجيا العسكرية، مثل الطائرات المسلحة بدون طيار التي رفضت واشنطن لفترة طويلة بيعها، وفي مؤشر على تنامي العلاقات الصناعية العسكرية، فإن المملكة العربية السعودية تعمل حاليًا على إنشاء أول مصنع صيني في الشرق الأوسط لإنتاج وصيانة الطائرات الحربية بدون طيار، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تظل أكبر بائعي السلاح للدولتين وأنها نجحت في تنمية حصتها من سوق السلاح العالمية على مدار السنوات القليلة الماضية، إلا أن التوجه التدريجي لدول الخليج نحو بيكين يعمل على تحجيم قدرة الولايات المتحدة في السيطرة على المستخدم النهائي لتلك الأسلحة، بينما يوفر للصين الفرصة لتوسيع نشاطها المتعلق بالصناعات العسكرية في المنطقة.

ومن وجهة النظر الجيو اقتصادية، فإن الحضور العسكري الأمريكي في الخليج يوفر لدول المنطقة ميزة هامة تتعلق بسلعة تظل حيوية بالنسبة لطموحات الصين الاقتصادية والعسكرية: النفط، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ربما لم تعُد بحاجة لنفط الخليج إلا أن الصين – وهي دولة مستوردة للنفط – لا تزال تحتاج لنفط الخليج، وتستورد بيكين 44% من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، وعبر قيام واشنطن بالحفاظ على وضعها العسكري القوي في المنطقة فإنها تحكم قبضتها على مصادر الطاقة التي تحصل عليها الصين، مما يجعل الولايات المتحدة قادرة على خنق الاقتصاد الصيني حال اندلاع أية صراع.

ومن الناحية الاقتصادية فإن كل من الإمارات والسعودية تعتبران من أكبر شركاء الصين في التجارة والاستثمار على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي العام 2018 تعهدت الصين بتخصيص 11.5 مليار دولار كاستثمارات وعقود تحظى بها كل من الإمارات والسعودية، وعلى الرغم من تحذيرات الولايات المتحدة؛ إلا أن شركات الاتصالات في دول الخليج بما فيها الإمارات والسعودية والبحرين قامت بعمل شراكة مع شركة هواوي لطرح عروض للحصول على شبكات الجيل الخامس لتلك الشركات، ومنذ الإعلان عن مبادرة الحزام والطريق فإن الصين بات لها صولات وجولات داخل القطاعات الصناعية واللوجستية لتلك الدول، حيث قامت بيجين بتخصيص عشرات المليارات من الدولارات لأجل تطوير ميناء خليفة للحاويات بالإمارات العربية المتحدة، وتطوير المدينة الصناعية والمنطقة الاقتصادية الخاصة بميناء الدقم في سلطنة عُمان، والمجمع الصناعي في جازان بالمملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من أن الاستثمارات الصينية قد انخفضت منذ أزمة العام 2009 بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض احتياطي العملة الأجنبية، إلا أن الصين تبقى لاعبًا نشيطًا وطموحًا فيما يخص القطاعات الاستراتيجية داخل اقتصادات دول الخليج.

وللإبقاء على الصين تحت السيطرة فإن الولايات المتحدة لا يمكنها الاعتماد على القوة فقط، وعوضًا عن ذلك فإنها سوف تحتاج إلى الحفاظ على والاستفادة من الشراكات الهامة، تمامًا مثل تلك المُبرمة مع دول الخليج، وهذا يسمح للولايات المتحدة بتوسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في مواجهة الصين، وعلى الرغم من أن دول الخليج ستسعى لأن تبقى بمنأى عن هذا الصراع؛ إلا أن أمن تلك الدول يستدعي وجودًا دائمًا موثوقًا فيه للقوات الأمريكية.

 

حسن الحسن هو باحث بالمعهد الهندي بجامعة كينجز كولدج لندن وزميل منتسب بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقبل ذلك شغل منصب كبير المحللين بمكتب النائب الأول لرئيس وزراء البحرين.