في محاربة داعش والقاعدة اجعل المعركة حرباً على النظريات المؤامرة التي تعزز الطائفية المسيسة

حسن حسن

يحق للشرق الأوسط أن يعلن عدداً من الانتصارات ضد التطرف الأصولي في هذا العام الجديد، حيث هزمت داعش في سوريا والعراق، كما سقط تنظيم القاعدة سقط في صراع داخلي. إلا أننا وإن استخلصنا درساً واحداً من الحملة العالمية ضد الأرهاب التي امتدت على الأعوام الستة عشرالماضية فهو أن استباق النصر في الحرب ليس من الحكمة. وقد تغلب الجهاديون على الهزائم الشبه تامة في الماضي وإن القاعدة أكثر قوةً مما كانت عليه في مطلع القرن بينما تنتظر المجموعات الأخرى الأقل شهرة دورها. ولا تزال الظروف التي تغذي التطرف قائمة ومع ذلك، فيمكننا أن نبدأ في تحديد بعض المبادرات التي تجرؤ على مواجهة الظروف المواتية للتطرف العنيف. وإنه لمن المغري أن ندّعي إننا نشهد بداية النهاية، يمكننا أن نرى على الأقل تقدير ناشئ لوصفة واحدة ضرورية: وضع حدّ للطائفية المسيسة.

في الواقع، لا يوجد عامل تمكين أكبر للتطرف العنيف من الطائفية السياسية. وعلى سبيل المثال، لطالما كانت الأيديولوجيات الطائفية محوريةً في استراتيجية داعش. وبالتالي، فإن اتباع نهج متكامل في إبعاده إلى أبعد حد ممكن من شأنه أن يلحق أكبر قدر من الأضرارا البالغة بعبادة التطرف. وتأتينا الأدلة الجديدة على هذه الاستراتيجية الجديدة من المملكة العربية السعودية، حيث خضع تلاميذ أحد الديماغوجيين الإسلاميين – والذي يحسب بين أتباعه مؤسس داعش في العراق أبو مصعب الزرقاوي – لقيود صارمة وأكثر من ذلك.

لنبدأ بلمحة التاريخية. على الرغم من العرض المتّقد للاحتكاك الطائفي في المنطقة، غالباً ما يساء فهمه على أنهه ظاهرة تاريخية وأنه لطالما كان كذلك. وليس هذا بحقيقة فالطائفية السياسية، في الواقع، نشأت منذ وقت قريب بعيد. أما الصراعات الطائفية اليوم فتقوم على تفسيرات النصوص التاريخية والأحداث من التاريخ البعيد، والظاهرة نفسها كحركة سياسية اختراع حديث للبؤس.

في هذا السياق، ربما يكون من أخطر مظاهره الفكرة القائلة بأن الطائفة الشيعية اليوم هي وسيلة لإحياء بلاد فارس الإمبراطورية القديمة. إنه شذوذ أيديولوجي يهدف إلى تحريض الشيعة والسنة – والفرس والعرب – ضد بعضهم البعض، ولا يتسفيد من ذلك إلا أولئك الذين يصنعون هذا الباطل الخطير.

تبدأ القصة في الثمانينات و البطل الرئيسي لهذه “الطائفية العنصرية” هو محمد سرور، وهو المنظر الإسلامي السوري الذي توفي في عام 2016. في عام 1981، نشر سرور كتاباً بعنوان ”زمن المجيء قد حان“. وكان يعني سرور بكلمة ”مجيء“ تلك الديانة الزرادشتية في بلاد ما قبل الإسلام، التي قال أنها عادت في شكل أتباع الطائفة الشيعية الحالية. وأصبح الكتاب في نهاية المطاف نصا ًمرجعياً للمتطرفين العنيفين وغير العنيفين، كافح أفكار سرور في السنوات الأولى. ومن خلال المقابلات التلفزيونية، ادعى أن الإسلاميين والشباب في جميع أنحاء المنطقة كانوا متخذين بالثورة الإيرانية فرفضوا رسالته.

ولكن إذا كان الأمر كذلك، لم يدم طويلاً وقد باع في نهاية المطاف أكثر من 100 ألف نسخة من كتابه – وهو عدد هائل في عالم النشر العربية – بعد تلاشي السعادة الأولية التي تبعت الثورة الإسلامية، كما تم إصدار كم هائل من النسخ المقرصنة. وحظي الكتاب بتأييد شبه رسمي في العديد من البلدان العربية، حيث سعت الحكومات إلى احتواء حماسة ثورية على الشواطئ الشمالية للخليج العربي.

وتكمن فكرة الكتاب الرئيسية في أن عدد كبير من الشيعة في المنطقة هم زرادشتيون بالسرّ يريدون إحياء إرث بلاد فارس قبل الإسلام. في مقدمة الكتاب، ذكر سرور رحلة إلى المغرب بعد الثورة الإيرانية. وخلال إقامته هناك، أعطى خطبة للمغاربة الشباب الحريصين على سماع رأيه في آية الله روح الله الخميني. وكتب: ”قبل أن أبدأ بالإجابة، ألقيت نظرة على وجوه الشباب التي كانت متوهجة بتفاؤل وثقة حول مستقبل ثورة الخميني والثورات العربية التي يمكن أن تتبعها“. وأضاف ”ستشمل إجاباتي دراسة عن كتب الخميني وأفكاره، التي لم تكن مختلفة عن تلك التي كتبها أسلافه، والشيعة الصفوية [سلالة في إيران في القرن السادس عشر]، وبويدس [في القرن العاشر في العراق] والصابئة [ دين قديم في الشرق الأوسط]“.

ويرى أن الطائفة الشيعية ترتبط باستراتيجية كبيرة يتبعها الإيرانيون لاستعادة الإمبراطورية التي فقدوها على أيدي المسلمين، حتى لو كانت تحت ”العلامة التجارية“ الإسلامية الجديدة. وقد تقدمت هذه الحجة نفسها من قبل مؤسس داعش في العراق، ابو مصعب الزرقاوى، لتبرير استهداف جماعته للشيعة العاديين ومساجدهم في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003.

وكان سرور أحد أركان الصحوة الإسلامية، وهي حركة ثورية ظهرت في الخليج في السبعينيات، ووصلت إلى أعلى مستوياتها في التسعينيات. وتنطوي الحركة على مزيج بين المبادئ الأصولية والتقليدية المستمدة من السلفية والإرث الثوري والناشط للإسلام السياسي. وكانت النتيجة حركة قادت لتسييس السلفية وأنتجت أفكاراً ولدت جماعات مثل القاعدة وداعش، وبشكل عام ما يسمى بالجهاديين السلفيين. وباعتباره مهندس معماري للصحوة، كان لسرور حركة تحمل اسمه وهي السرورية التي تدعي وجود نشطاء دينيين خليجيين. يمكن أن يعزى الكثير من التطرف الديني والطائفي المنتشر اليوم في المنطقة إلى الصحوة التي لا تزال تؤثر على الناشطين الملتزمين بنظرة عالمية ضيقة لطريقة حياة المسلمين.

ولكن الخبر السار أن اشتدت محاربة العوامل التمكينية للتطرف. وفي هذا السياق، من المفيد أن يدرك المرء مدى تأثير محمد سرو حيث يخضع إرثه الإيديولوجي الآن لهجوم منهجي وغير مسبوق في المملكة العربية السعودية وخارجها. وقد اعتقلت المملكة العربية السعودية مؤخراً ناشطين من الصحوة. وقد ذكر محمد بن سلمان، ولي العهد المملكة مؤخراً الحركة بالاسم تستهدفها الإصلاحات. وفي حديثه عن الصحوة الإسلامية قال: ”بكل صدق، لن نقضي 30 عاماً من حياتنا في التعامل مع الأيديولوجيات المتطرفة. سنقوم بتدميرها اليوم وعلى الفور“.

إن الإدانة القاطعة للتطرف هي ما تحتاجه المنطقة لوقف موجة الكراهية التي تدور باسم الدين. وقد يساهم فهم ماهية الأمور وبداياتها في تحقيق مكاسب أكثر دواماً. لذلك فربما قد يكون من الممكن أن نميز آفاق يخلو تنظيم داعش أو تنظيم القاعدة.

حسن حسن من كبار الباحثين في واشنطن في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، حيث يركز على الجماعات الإسلامية الناشطة، وسوريا، ،العراق، ودول الخليج العربي. وهو مؤلف مشارك في “داعش: داخل جيش الإرهاب”. ويمكن متابعة حسن على تويتر [email protected]

AFP PHOTO / AHMAD AL-RUBAYE