للتخلص من صورته النمطية، يجب أن يقر العالم العربي بعيوبه ويعمل على إصلاحها

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Abbas Momani

في أغسطس / آب، تعرضت إسراء غريب، وهي امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 21 عامًا، للضرب حتى الموت. وزعمت أسرتها أنها سقطت من نافذة في الطابق الثاني، ورغم ذلك، تم توجيه تهمة قتلها إلى ثلاثة من أقاربها الذكور. وجريمة “إسراء” الظاهرة هي أنها نشرت فيديو خاص بهاأثناء تناولها العشاء برفقة خطيبها وأخته.

وقد أثارت وفاة تلك المرأة البريئة غضبًا واسعًا من ثقافة ما يسمى بـ “جرائم الشرف” في المجتمعات العربية والإسلامية. وقد دفعت تلك الحادثة البعض إلى الدفاع عن تلك المجتمعات، بحجة أن كره النساء وما يصاحبه من أعمال عنف ضدهن هي ظاهرة عالمية ولا تقتصر على العرب و/أو المسلمين.

وكان الأكاديمي الفلسطيني – الأمريكي الراحل، إدوارد سعيد، أول من توصل إلى مفهوم “الاستشراق” في عام 1979. وقال “سعيد” إن الاستشراق يمثل مجموعة من الصور النمطية التي يزعم الغرب أنه من خلالها يمكنه “معرفة” الشرق الأوسط. وبالنسبة لمناهضي الاستعمار –وأقرب الأقرباء إلى المستشرقين –فإن تلك الصور النمطية خير دليل على أن القوى الاستعمارية فشلت في فهم الأشخاص الذين استعمروهم. “فجرائم الشرف” من الصور النمطية المنسوبة ظلمًا وجورًا إلى المسلمين والعرب، وهذا هو الواقع. غير أن “جرائم الشرف” ليست مجرد صورة نمطية، أو مظهرًا من مظاهر كره النساء. إنها في الحقيقة أسوأ من ذلك: إنها أمرًا واقعيًا.

وعلى الرغم من أن النساء هن الضحايا الرئيسيات، إلا أن جرائم الشرف تندرج ضمن المفهوم الإسلامي المتمثل في “نشر الفضيلة ومنع الرذيلة”. وبالنسبة للعديد من العرب والمسلمين، فيتضمن هذا المفهوم إنشاء مجتمع كالمجتمعات القديمة المثالية، والتي لا وجود لها إلا في مخيلات العقول. وتُستخدم تلك الأسطورة لتبرير قتل الزناة (من كلا الجنسين) أو المثليين جنسياً، أو الرجال المخنثون، مثل المراهق العراقي الذي سجل قاتله مشهد قتله طعنًا.وهناك فئة أخرى مستهدفة وهي فئة “Emos” (اختصار لـ “عاطفي”)، وهم الشباب الذين يتبعون الموضة الغربية، حيث الملابس الضيقة، والثقوب في أجساده، وهو ما تعتبره المجتمعات العربية انحراف. وفي لبنان، تزوج رجل من غير طائفة الدرزية من امرأة درزية، مما دفع أقارب العروس إلى قطع الأعضاء التناسلية للعريس.

وفي الغرب، غالباً ما تكون جرائم الكراهية ذات دوافع عنصرية، وفي بعض الأحيان بدافع “رهاب المثلية”. لكن لا وجود في معظم الدول الغربية تقريبًا لما يسمى “بحراس القانون” والذين يأخذون على عاتقهم تحديد السلوك الجنسي المقبول، أو ما يجب على الشعب ارتدائه أو تناوله. وهذا النوع من “الشرطة الاجتماعية” التي تنصب نفسها هي سمة من سمات المجتمعات الإسلامية، ومنها “الشرطة” الصارمة – كما هو الحال في إيران والمناطق الخاضعة لسيطرة طالبان أو تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”–أو المتفتحة، كما هو الحال في لبنان أو تونس.

ولهذا، فإن “جرائم الشرف” ليست جزءًا من المفاهيم “الذكورية السامة” والتي نسبها المستشرقون الغربيون والمناهضون للاستعمار إلى العالم العربي. إن “جرائم الشرف” من أحد عيوب المجتمع الإسلامي، ولا يمكن تصحيحه إلا إذا كان هذا المجتمع مستعدًا للنظر إلى داخله بدلاً من إلقاء اللوم على الغرباء.

وفي الواقع، لم يكن سعيد نفسه بمنأى عن الاستشراق. فبعد كل هذا، نجد أن “سعيد” اكتسب مهاراته في الغرب، وعاش وعمل في نيويورك، وكانت علاقاته في الشرق الأوسط تقتصر على دائرة النخبة. لقد كان “سعيد” مخطئًا مثله مثل بعض الأشخاص الذين ينتقدهم في توصيف الشرق الأوسط بتلك الصورة النمطية.

فعلى سبيل المثال، يدعم “سعيد” سيادة الشعب الفلسطيني. غير أن السيادة مفهوم أوروبي. وعلى مدار التاريخ، كانت سيادة الشعوب العربية غير مرتبطة بالأرض، ولكن بالحاكم الذي تعهدوا له بالولاء والطاعة. ومثل الأمريكيين الأصليين، اعتبر العرب أن الأرض هي مرفق عام متاح للجميع بدون مقابل. وكانت القبائل العربية تنتقل من مكان لآخر باختلاف المواسم سعيًا وراء المياه والمساحات الخضراء. وعندما رفضت بريطانيا وفرنسا منح الملك عبد العزيز بن سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، السيطرة على أراضٍ في غرب الأردن وشرق سوريا التي تسكنها قبائل موالية له، تخطى الملك السعودي المشكلة من خلال إصدار جوازات سفر سعودية لرجال القبائل. ومع ازدواج جنسيتهم، استطاعت تلك القبائل الاستمرار في تجواب تلك الأراضي كما لو كانت لهم منذ الأزل.

إن مصطلحات “الحدود والسيادة والمواطنة”–جميعها من صناعة الغرب. وكان تطبيق تلك المصطلحات على دول مثل فلسطين ضربًا من ضروب الاستشراق. فمن رسم خريطة فلسطين هي قوى أجنبية تابعة للولايات الثلاث المكونة للإمبراطورية العثمانية. ولهذا، لم تكن فلسطين دولة مطلقًا، وما كان لها أن تكون موجودة في وقتنا هذا لولا القوى الاستعمارية التي يحتقرها سعيد ومن على شاكلته.

ومع ذلك، فإن العولمة قد غيرت من مفهوم الاستشراق. وأصبحت المعلومات متاحة بشكل كبير بفضل التكنولوجيا. ومع تمكن كل شخص تقريبًا الآن من التواصل مع غيره من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تلاشت الصور النمطية. ومن الصعب الآن على المواطن الغربي، بغض النظر عن مدى عزلته، أن يحتفظ بالصورة القديمة التي كانت سائدة في سبعينيات القرن الماضي عن العرب الذين يعيشون في خيام ويتنقلون بواسطة الجمال.

كما لمست العولمة سياسات الهوية. ويرى الكثير من العرب والمسلمين أن عضوات الكونغرس الأمريكي “رشيدة طالب” و”إلهان عمر” تمثلهم في واشنطن، وهو الدور الذي ترغب كلتا العضوتين ممارسته. وتكمن المشكلة في أن عروبتهم وإسلاميتهم تغيرت بسبب معيشتهم في أمريكا. وتختلف “رشيدة” و”إلهان” عن غيرهما من العرب والمسلمين الذين ولدوا ونشأوا في المجتمعات العربية أو الإسلامية، وهو الأمر الذي يجعل “رشيدة” و”إلهان” مستشرقتين أيضًا. ومثل الكثير من العرب والمسلمين الأميركيين، نجد أن فهم “رشيدة” و”إلهان” للمشاكل العربية والإسلامية وكيفية حلها فهمًا سيئًا مثل الاستشراق اللتان تكرهانه.

لكن القضاء على الاستعمار والاستشراق لن يحل المشاكل أيضا، بل على العكس، فلن يؤدي الاستعمار والاستشراق إلا إلى إخفاء تلك المشكلات عن الراي العالمي. وقد يكون الغرب قادرًا على تقديم الأدوات – الأكاديمية وغيرها – لتمكين غير الغربيين من إصلاح مواطن الضعف في مجتمعاتهم، وتطوير وسائل الحكم الذاتي والتي قد تتطور إلى الديمقراطية. ولكن، للقضاء على الأفعال المشينة مثل “جرائم الشرف”، فيجب على العرب والمسلمين أن يعترفوا أولاً بوجود مثل تلك المشكلة وأنهم مسؤولون عنها. وعندها فقط سيتوقف العرب عن النظر إلى مجتمعهم بنظرة استشراقية.

حسين عبد الحسين، مدير مكتب صحيفة “الراي الكويتية” اليومية في واشنطن، وزميل زائر سابق لدى المعهد الملكي في لندن.