آن الأوان مناقشة الدورة الشهرية لدى المرأة

الكسندرا دي كرامر

AFP Photo: Indranil Mukherjee

في يناير/كانون الثاني، وجدت الممثلة التركية المحبوبة ونجمة وسائل التواصل الاجتماعي “جيداء دوفنجي” نفسها منعوتة “بالأم السيئة”. فما جريمتها؟. لقد نشرت على الانستغرام خبرًا عن حدث مهم، وهو أول دورة شهرية لابنتها. ويختلف متابعو “دوفنجي” والبالغ عددهم ” 2,7 مليون متابع” فيما بينهم حول هذا الفعل. فيرى البعض أنه تصرف “مثير للاشمئزاز”، ولاسيما أن ابنتها تعاني من شلل دماغي. ومع ذلك، أشاد آخرون بتصرف “دوفنجي” لأنها خالفت المحظورات التي تضمن بقاء الفجوة بين الجنسين كبيرة كما كانت دائمًا في جميع أنحاء العالم.

وتشهد المرأة العادية من “400” إلى “500” دورة شهرية في حياتها. ومع ذلك، لاتزال مناطق مختلفة في العالم تشعر بالحرج من مناقشة تلك الوظيفية الطبيعية للجسم. والأسوأ من ذلك، أن هذا الأمر يمنع الفتيات والنساء من التطور، ويحول دون تحقيق أي نوع من المساواة في المجتمع.

وفي الهند، تترك ربع الفتيات تقريبًا الدراسة بعد أول عادة شهرية لهن. وفي أجزاء من نيبال، تُعاقب الحائض بإرسالها إلى الأكواخ النائية، ويحظر عليها حضور التجمعات الاجتماعية أو الدينية.

وتتجلى وصمة العار الثقافية المرتبطة بالحيض في الوصف الذي يُطلق على الحائض، بدءًا من “اللعنة”، وصولاً إلى المصطلحات العامية البغيضة، ومنها قصرًا لا حصرًا، “الفوطة الصحية” أو “أسبوع الحيض”. وفي منطقة “دوفينجي” في تركيا، يُطلق على المرأة التي تمر بفترة الحيض (المرأة المتسخة)، أو (المريضة). ويستمر الإحراج من هذا الأمر رغم أننا في العصر الرقمي. بل أن صورة القطرة الحمراء التي تشير إلى فترة الحيض لم تظهر سوى في العام 2019 فقط.

ويتضح التفرقة بين الجنسين في طريق التعامل مع الأولاد والبنات في مراحل مهمة من حياتهم. ففي تركيا، تنعقد للأولاد “حفلات الختان”، وفيها يرتدي الولد ملابس الأمراء الصغار حيث الرداء والصولجان. وعلى الجانب الآخر، تتلقى الفتاة عادة صفعة على الوجه من الأم عند أول دورة شهرية – وهو استقبال مهين للأنوثة.

وهكذا يتم التعامل مع مرحلة البلوغ. وفي تركيا، تبلغ قيمة الضريبة على عقار “الفياجرا” الذي يعالج ضعف الانتصاب “8%”، بينما ضريبة النظافة النسائية “18%”. وحتى أولئك الذين يكسبون مالهم من منتجات العادة الشهرية للمرأة، فإنهم ينظرون إلى الأمر بعين الإحراج على أقل تقدير. واعتاد منتج Tampax، وهو إحدى العلامات التجارية للسدادت القطنية، تقديم نصائح على مدونة المنتج للمراهقات بخصوص طريقة إخفاء السدادة القطنية. وكان أحد الاقتراحات لإخفاء السدادة القطنية هو حشوها في الجورب، والآخر هو أن تحدد الفتيات مكان سري للالتقاء فيه وإعارة السدادة القطنية أو استعارتها.

وفي عام 2015، شاركت “روبي كور”، الشاعرة والفنانة المقيمة في تورنتو، صورة لها على الانستغرام وهي مستلقية على سرير وبكامل ملابسها ولكن مع بقعة دماء واضحة على سروالها وعلى ملاءة السرير. وحذف الانستغرام الصورة مرتين بحجة أن الصورة تنتهك إرشادات المجتمع في إنستغرام. ويسمح الانستغرام بكل شيء إلا، على ما يبدو، التجربة الطبيعية التي تمر بها مليار سيدة وفتاة كل شهر. وعندما نشرت “كور” الصورة للمرة الثالثة، وانتقدت الانستغرام، حصلت على أكثر من “111,000” إعجاب. وفي العام نفسه، تصدرت الموسيقية “كيران غاندي” عناوين الصحف عندما شاركت في ماراثون لندن في اليوم الأول من دورتها الشهرية دون أن ترتدي سدادة قطنية أو فوطة صحية، وذلك لزيادة الوعي بخصوص الحرج من الدورة الشهرية.

وفي نقاش للحزب الجمهوري خلال حملته الرئاسية في عام 2015، نسب دونالد ترامب الغاضب الاستجواب الصعب من جانب المحاورة “ميجين كيلي” إلى مرورها بالدورة الشهرية، وأضاف: “كان الدم ينزف من عينيها، والدماء تسيل منها في أي مكان.”

ودفعت تعليقاته حركة وسائل التواصل الاجتماعي إلى إطلاق هاشتاج #periodsarenotaninsult، وعبره ترسل النساء رسائل ترامب الخاصة بفترة الدورة الشهرية. وغردت إحدى السيدات قائلة، “أثناء الدورة الشهرية، أتولى رئاسة اجتماعات مجلس الإدارة، فكيف أنجح في ذلك؟”. وأدركت شركة “”Apple”” هذا التوجه، وأضافت خاصية “تعقب الدورة الشهرية” إلى التطبيق الصحي على جهاز iPhone.

وتتأثر المرأة ماليًا بهذا التحيز الجنسي الناشئ عن الخزي من الدورة الشهرية. ولطالما دعا النشطاء في جميع أنحاء العالم إلى إلغاء الضرائب على السدادات القطنية والفوط الصحية. وفي عام 2015، ألغت كندا الضريبة على المنتجات الصحية، ولحقتها المملكة المتحدة الشهر الماضي. وفي ألمانيا، تم تصنيف منتجات الدورة الشهرية لأسباب غير معلومة “كسلع كمالية”، وفرضت الحكومة عليها أعلى نسبة من الضرائب تقدر بـ”19%”. واعتبارًا من يناير/كانون الثاني 2020، ستبلغ نسبة الضرائب على المنتجات الصحية “7%” مثلها في ذلك مثل الخبز والكتب وزهور الزينة وغيرها من “الضروريات اليومية”.

وهذه كلها خطوات مرحب بها وفي الاتجاه الصحيح، ولكن الحقيقة الباقية هي ان المرأة تضحي أكثر من الرجل، وأن تخفيض ما يسمى بضريبة “الضريبة الوردية” أو إلغائها لا يكفي للقضاء على افتقار المرأة إلى المنتجات الصحية خلال الدورة الشهرية.

يتعذر على ملايين الفتيات في المناطق الريفية في الصين شراء المنتجات الصحية، ولم تزد جائحة فيروس كورنا “كوفيد-19” الوضع إلا سوءًا. وعلمت العاملات في الخطوط الأمامية المجال الصحي في الصين أن المواد الصحية لن تكون متوفرة لأنها لا تعتبر من الضروريات. تدخلت إحدى المنظمات غير الحكومية في الأمر وقدمت تبرعات من الفوط والملابس الداخلية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أطلق طلاب الجامعات الصينية حملة “قف بجانبها”، والتي تهدف إلى القضاء على “الخزي من الفترة الشهرية”، وإنشاء “صناديق لتوفير “الفوط الصحية” في 250 حرم جامعي.

وألغت كينيا ضريبة المبيعات على منتجات الدورة الشهرية في عام 2011، غير أن تقريرًا صدر في عام 2016 عن مؤسسة “فونديشن استراتيجي جروب” وجد أن “65%” من النساء في كينيا غير قادرات حتى الآن على شراء منتجات الدورة الشهرية، وأن “10%” من الفتيات في سن الخامسة عشر “15” قد تمتهن الجنس مقابل المال لشراء المناشف الصحية.

في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020، أصبحت اسكتلندا أول دولة تقدم منتجات الدورة الشهرية مجانًا للجميع، وهو نموذج يستحق الثناء، ونأمل أن تحذو الدول الأخرى حذوها.

ودعمًا للسيدة “جيداء دوفنجي”، نشرت ممثلة تركية أخرى عبارة تقول فيها “إن الدورة الشهرية ليست عارًا ولا مرضًا”. ورغم ذلك، لايزال الكثيرون يرغبون تناول هذا الأمر بشيء من الخزي – – أو بالأحرى، عدم الحديث عنه مطلقًا، وبالتالي منع النساء وغيرهن من مناقشة أي أمر حول شخصهن أو أجسادهن.

ولكن الدورة الشهرية ليست مجرد مشكلة نسائية. فعندما تكون الوظيفة الطبيعية والبيولوجية سببًا في توقف الشخص عن التعليم أو حرمانه منه، والحيلولة دون تطور نصف سكان الأرض، فإنها تصبح مسألة تتعلق بحقوق الإنسان. فإذا كان الحصول على الواقي الذكري مجانًا، فلماذا لا يكون ذلك مع الفوط الصحية؟

 

ألكسندرا دي كرامر، صحفية مقيمة في اسطنبول. تناولت الربيع العربي من بيروت أثناء عملها كمراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “ميلييت”، وتتنوع أعمالها من الشؤون الجارية إلى الثقافة، ولها مقالات في صحيفة “Monocle“، ومجلة “Courier Magazine”، وصحيفة “Maison Francaise” الفرنسية، وصحيفة “Istanbul Art ews” التركية.