حان الوقت للميليشيات العراقية ان تترك سلاحها

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Haidar Mohammed Ali

تكتسب الميليشيات شرعيتها من الحرب. وبالطريقة ذاتها تبرر الميليشيات في العراق وأماكن أخرى في المنطقة المدعومة من إيران وجودها. وعلى مدار أربعين “40” عامًا شهد العراق حروبًا كثيرة، ولكنه استطاع، بمساعدة الأمريكان، دحر التهديد الأخير من جانب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وستسحب الولايات المتحدة قواتها قريبًا. وإذا كان وجود الميليشيات ضروريًا قبل ذلك – وهو أمر محل شك – فلا حاجة لها بعد الآن. ورغم جميع المناشدات، ترفض الميليشيات إنهاء وجودها.

وعلى حد تعبير عبد العزيز المحمداوي، المعروف أيضًا باسم أبو فدك أو “الخال” (يعني “العم”)، فإن الميليشيا المسلحة التي يقودها، وهي “وحدة الحشد الشعبي”، والمعروفة اختصارًا بـ”الحشد الشعبي”، هي “أكثر شرعية من كل الجيوش الأخرى”، وستبقى موجودة “إلى أن يأذن الله بغير ذلك”.

وحتى ذلك الحين، سيرفض “الخال” الخيارات الواردة من بغداد والمتمثلة في نزع سلاح جميع الميليشيات، وتحويل تلك الميليشيات إلى أحزاب سياسية، أو الاندماج في القوات العراقية العسكرية منها والأمنية. ومن المؤكد أن “الخال” يتلقى أوامره في النهاية من بلد اخر، وترى طهران إن الميليشيات يجب أن تحتفظ بأسلحتها من أجل “تحرير” العراق من “الاحتلال العسكري الأمريكي”.

وأقل ما يقال عن تلك الحجة أنها واهية. والآن، قلصت أمريكا عدد جنودها في العراق إلى 2500 جندي فقط. ويشارك هؤلاء الجنود في الغالب في تدريب العسكريين العراقيين رفيعي المستوى، ولا يوجد في واشنطن من يرى أن بقاء هؤلاء الجنود سيستمر طويلاً. لقد انقضى عهد الدوريات الأمريكية الواضحة. ومن السذاجة الباعثة على القلق وصف مثل هذا الوجود منخفض المستوى بأنه “احتلال”.

وهناك سخط شديد من جانب العراقيين تجاه مثيري الشغب الموالين لإيران. وإدراكا منه للرأي العام، وتطلعا للانتخابات المقبلة، طالب مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي، بحل الميليشيات. حتى أن المرجع الديني الأعلى “علي السيستاني”، وهو الزعيم الروحي للشيعة العراقيين، وأحد كبار رجال الدين في الإسلام الشيعي، قد صرح علنًا بأن الوقت مواتي لرحيل الميليشيات.

وصرح بالأمر نفسه بعض الشيعة العراقيين الأكثر نفوذاً، مثل “مقتدى الصدر” (رجل دين وسياسي ورئيس ميليشياته)، وعمار الحكيم (رجل دين ورئيس سابق للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي)، فضلاً عن رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي”، والذي بدأ حياته المهنية كمعارض شيعي في عهد صدام حسين.

وهناك أمرٌ آخر يستحوذ على اهتمام الشيعة وهي الانتخابات المقرر لها في يونيو/حزيران. وليس أمام الشيعة الراغبين في منصب سياسي فرصة أمام منافس يحظى بدعم جماعة مسلحة.

ومع ذلك، يواصل أبو فداك أو “الخال”، زعيم الحشد الشعبي، الإصرار على أن الميليشيات العراقية الموالية لإيران لا تخضع إلا للأمر الإلهي، ويحث الطبقة السياسية والشعب العراقي على تعلم كيفية العيش مع تلك الميليشيات، تمامًا كما هو الحال في طهران حيث زمام السلطة الحقيقي في يد الحرس الثوري الإسلامي وزعيمه “علي خامنئي”، بينما الرئيس “حسن روحاني” مجرد زعيم صوري مع جيش ضعيف.

وغالبًا لا تكون الميليشيات إلا مجرد مجموعة من المجرمين. وفي غياب الحرب، ينصب تركيز الميليشيات على المدنيين والجريمة المنظمة، مما يؤدي إلى حرب أهلية، وهو بالتأكيد ما عانت منه بلدان أخرى في المنطقة. ولننظر إلى المذابح التي استمرت لسنوات في اليمن على يد الحوثيين المدعومين من إيران.

ومن الصحيح أيضًا أنه عندما تواجه الجيوش النظامية الميليشيات، فإن القوات النظامية تكون في موقف ضعف. ويبدو أن الخيار الوحيد في مثل هذه المواقف هو إما التدمير الشامل للمنطقة – كما هو الحال في العراق – أو الضربات الجوية الدقيقة والتي تحد فقط من قوة الميليشيات ولكنها لا تقضي عليها تمامًا، كما هو الحال في اليمن.

ولكن هذا لا يعني أن العراق فقد جميع الآمال؟. فالعديد من رجال الميليشيات الموالين لإيران هم في الغالب من الشباب ويسهل توجيههم. وإذا تصرفت القيادة العراقية بحكمة واستفادت جيدًا من دعم “السيستاني”، فبإمكان بغداد التغلب على الميليشيات والتفوق عليها في التمويل والتسليح. ولا يحتاج السياسيون العراقيون سوى فهم أنه لا يمكن استخدام الميليشيات مؤقتًا كسلاح للمواجهة. وأي شخص جرب تلك الفكرة، عاش فقط ليندم على فعلته، إذا ما نجا.

إن ما يجب على الطبقة السياسية العراقية فعله في الوقت الراهن هو التعاون في مواجهة الأدوات التي تستخدمها طهران بشكل دائم للتدخل في شؤون الآخرين. وإذا ما فشلوا في ذلك، واستمروا بدلاً من ذلك في المشاحنات والمناورات فيما بينهم من أجل السلطة، فستذهب القوة الحقيقية إلى سادة الدمى عبر الحدود في إيران.

 

حسين عبدالله حسين، مدير مكتب صحيفة الرأي الكويتية اليومية في واشنطن، وزميل زائر سابق لدى معهد تشاتام هاوس في لندن.