من خلال “دبلوماسية كورونا” في العراق… الصين وروسيا تأملان في تعزيز نفوذهما في الشرق الأوسط

جوزيف دانا

AFP photo: Brendan Smialowski/Russia health ministry

في ظل جائحة فيروس كورونا “كوفيد-19″، اتضح بشدة وضع الرعاية الصحية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما بين جيد ومحزن جدًا. وبدورها، كان وضع النظم الصحية المحلية سببًا في تعزيز نفوذ القوى الخارجية في المنطقة. ولا يوجد دولة في منطقة الشرق الأوسط أفضل من العراق، من حيث الحجم والأهمية الجيواستراتيجية، لتكون فرصة لتعزيز هذا النفوذ. وهي الدول الخاضعة للاستغلال في الوقت الراهن.

وفي العراق، تضرر النظام الصحي الهش الذي يشبه قطار الشحن بالفعل بسبب جائحة “كورونا”. وبعد عقود من الصراع والفساد وسوء الإدارة، كان النظام الصحي العراقي على وشك الانهيار حتى قبل تفشي جائحة كورونا. واليوم، يشهد العراق اضطرابًا تامًا. وانتشرت المعلومات المضللة مثل الطاعون، بدءًا من المزاعم حول علاج مصنوع محليًا (وهذا كذب) وصولاً إلى نظريات المؤامرة حول استخدام فيروس كورونا كوفيد-19 كسلاح (وهذا كذب أيضًا). وتمكنت تلك المعلومات المضللة من تهيئة الظروف التي سمحت لجائحة كورونا “كوفيد-19” من الانتشار بين السكان على النحو الذي يفوق قدرة الحكومة للسيطرة عليه.

واعتبارًا من منتصف سبتمبر/أيلول، سجلت العراق بالفعل ما يقرب من “300,000” إصابة بفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، وأكثر من “8000” وفاة في بلد يبلغ تعداد سكانه 39 مليون نسمة. وبالمقارنة، سجلت مصر، والتي يبلغ عدد سكانها 99 مليون نسمة، 101 ألف إصابة ونحو 5500 حالة وفاة. وحققت مصر نجاحًا هامًا في منع صعود منحنى الإصابات بالفيروس، وبلغ عدد الإصابات اليومية في الوقت الحالي 150 حالة جديدة يوميًا تقريبًا. ومع ذلك، يشهد العراق صعودًا في حالات الإصابة بفيروس كورونا، ويبلغ عدد الإصابات الجديدة اليومية 4000 حالة.

وبات الفيروس خارج نطاق السيطرة في العراق. ولكن الأزمة قد تكون أيضًا فرصة؛ حيث تعتبر بغداد الآن أكثر استعدادًا لقبول أي مساعدة من أي جهة. وقد أتت تلك المساعدة على الفور من الصين وروسيا. وترى الدولتان في هذا الموقف فرصة لبسط نفوذهما كقوى مؤثرة في العراق، على أمل بسط هذا النفوذ إلى أبعد من ذلك.

ومن جانبها، لم تكن الحكومات الغربية قادرة على – أو عازفة عن – مساعدة العراق بشكل كافٍ في جهوده لمكافحة الجائحة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى نقص التمويل، وعدم الاهتمام بشكل عام بالحالة السياسية الفوضوية في العراق.

وللإنصاف، لم تكن المساعدة الدولية المعهودة غائبة بشكل كامل. وتتعاون منظمة أطباء بلا حدود مع عدة مستشفيات في بغداد، وقدم البنك الدولي مساعدات اقتصادية طارئة للحكومة العراقية، وتقدم منظمة الصحة العالمية المشورة بشأن مواجهة الأزمة، وتشغيل العيادات المتنقلة. ومع ذلك، لم تتضمن أي من تلك الجهود مساعدة حكومية تقودها الدول الغربية. ومن ثم، فإن الغرب يتخلى عن العراق مرة أخرى. وفي هذا الشهر، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها ستقلص إلى أقصى درجة مستويات قواتها في العراق، وهو ما يجسد بدقة التوجهات التي يتبناها الغرب في الوقت الحالي.

وفي ظل اهتمام الغرب بأماكن أخرى، اتجهت بغداد إلى أطراف أخرى كما هو متوقع. وبعد ساعات فقط من إعلان الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” عن أن بلاده أصبحت أول من يعتمد لقاح “كورونا”، قال مسؤول الصحة العامة في العراق، إن بغداد ستكون أول من سيشتري اللقاح عندما يكون متاحًا خارج روسيا. وبغض النظر عما إذا كان العراق سيكون بالفعل “أول المشترين للقاح”، فمن المحتمل أن تكون إيران هي حلقة الوصل بين روسيا والعراق. وفي أوائل سبتمبر/أيلول، وافقت طهران وموسكو على إنتاج لقاح كورونا كوفيد –19 الروسي بشكل مشترك. وبالنظر إلى قطاع الأدوية المتطور في إيران، وتأثيره على الحكومة العراقية، بات قطاع الأدوية أحد عوامل النفوذ الروسي.

وهناك أيضًا الصين، فمنذ تفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، أرسلت الصين مساعدات إلى عدد كبير من البلدان في شكل دبلوماسية طبية. وكان العراق نقطة محورية لجهود الصين في الشرق الأوسط، واكتفى مسؤولو الصحة العراقية بالثناء على الجهود الصينية. وتنتهز بغداد كل فرصة لتسليط الضوء على الدور الهائل الذي لعبته الصين في إنشاء مستشفيات ميدانية، وإرسال الأدوية وتقديم المشورة على مدار فترة الجائحة.

ومنذ تفشي الجائحة، كان العراق بؤرة للمعلومات الخاطئة حول الفيروس. وفي مارس/آذار، وبعد بيان صحفي نُشر على فيسبوك، ذكرت إحدى القنوات الإخبارية التلفزيونية أن شركة أدوية محلية تسمى “بايونير” طورت علاجًا لفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. ولم يؤكد البيان أن أدوية الشركة يمكن أن تعالج المرض، لكن ذلك لم يمنع الأخبار من السيطرة على البلاد.

وغالبًا ما تشوه المعلومات المضللة المنتشرة في العراق مصداقية الغرب، وتروج لنظريات المؤامرة حول الحيل الغربية الشائنة المتعلقة بالفيروس. وأكدت شركات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك التزاماتها باستئصال المعلومات المضللة، ولكنه من غير المحتمل أن يتلقى الوسائل الخاصة التي يحتاجها لحل هذه المشكلة. وفي الواقع، سيؤدي انتشار المعلومات المضللة إلى مزيد من عدم الثقة في الشركات الغربية. وبجانب الثناء شبه الدائم على الصين من جانب الحكومة العراقية، فإن الضرر الناجم عن الشائعات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي يساعد على تعزيز صورة الصين في البلاد. وستملأ بكين الكثير من الفراغ الذي خلفه تضاؤل الوجود الغربي في البلاد. وهناك روسيا على أهبة الاستعداد لسد هذا الفراغ بمساعدة إيران.

إن الإجراءات السريعة التي اتخذتها بكين وموسكو، بالإضافة إلى استخدامهما لإيران كحلقة وصل محتملة لتقديم المساعدة الطبية، قد مكَّنتهما تقريبًا من تجنب كل الضغوط في العراق. وبينما لا يتحدث أحد عن مقدار المساعدات الملحة التي ضختها الدولتان إلى العراق، لا يمكن إنكار أو تجاهل استخدام المساعدات لحصد نفوذ جيوسياسي يضر في النهاية بمصلحة العراق.

وعندما تنتهي الجائحة، قد يكتشف الغرب وأوثق حلفائه في الشرق الأوسط أن روسيا والصين وسطاء ذوا أهمية بالغة في المنطقة. ولمنع ذلك، يجب على الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا العمل مع الحلفاء الإقليميين لمساعدة الدول المنكوبة مثل العراق.

 

“جوزيف دانا”، يتنقل ما بين جنوب أفريقيا ودول الشرق الأوسط، ويعمل كبير محرري “emerge85″، أحد المختبرات التي تستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.