طريقة واحدة لحماية خصوصيتك أثناء تصفح الانترنت – إنها تجنب الإنترنت

جوناثان جرونال

في العام 1984، وقبل أن تضرب خدمة الإنترنت بجذورها في كل بقعة في العالم بخمس سنوات، من كان يصدق أن فيلم الخيال العلمي ذي الميزانية البسيطة والذي يصور لاعب كمال أجسام نمساوي يسافر إلى هوليود بحثًا عن الشهرة والمال سيكون قصة تحذيرية نبوئية؟ في العام 1989، وبعد مرور خمس سنوات على عرض فليم “المدمر” للمثل “أرنولد شوارزنيجر” على شاشات السينما، اخترع عالم حاسوب إنجليزي اسمه “تيم بيرنرز – لي”، ويبلغ من العمر “34” عامًا، “الشبكة العنكبوتية العالمية”، وهو نظام لمشاركة المعلومات ومن خلاله يمكن الربط بين المستندات وغيرها من الأدوات الرقمية عبر شبكة من أجهزة الحاسب الآلي. وأصبحت تلك الشبكة تُعرف بشبكة “الإنترنت”، وكان هذا الابتكار “الشبكة العنكبوتية العالمية” –بمثابة الحصان لتلك القاطرة – والذي جعل من التوسع الفائق للشبكة العنكبوتية على مستوى العالم أمرًا ليس ممكنًا فحسب بل حتميًا.

وفي ذلك الوقت، كان “بيرنرز لي” على الأرجح مشغولاً جدًا بالاختراعات عن مشاهدة فيلم “المدمر”، ولو شاهد “بيرنرز” الفيلم فربما كانت الحبكة الدرامية – والتي تشتمل على شبكة دفاعية من الحاسب الآلي تعمل بالذكاء الاصطناعي وتُسمى “سكاي نت” والتي تقرر أن العنصر البشري يشكل خطرًا على مستقبل تلك الشبكة وينذر بوقوع كارثة نووية – سببًا في أن يمنح “بيرنرز” نفسه فترة للتفكير.

ولكن ربما أن يبدأ “بيرنرز” في التفكير متأخرًا أفضل من عدمه. وفي هذا الشهر، أقر “بيرنرز لي”، والذي يبلغ من العمر الآن “63” عامًا، بأن هذا الاختراع، والذي قصد أن يكون جهازًا قائم على المساواة الاجتماعية من أجل توحيد الإنسانية وتحسينها، أصبح بدلاً من ذلك وحشًا يبعث على الفرقة والجدال، “إنه محرك لعدم المساواة والانقسام”، وتستخدمه القوى العظمى لخدمة مصالحها الخاصة.

إن السذاجة تصيب المرء بالحزن والأسى، لقد بنيت طريقًا حرًا، بيد أنني لا يمكنني التحكم في نوعية الأشخاص الذين يرتدون هذا الطريق، فضلاً عن طريقة قيادتهم، ولا المركبات التي يستقلونها أو الأماكن التي يقصدونها.

إن الذكاء الاصطناعي، ذلك المفهوم سريع التطور والذي يجذب إليه أي شخص، ابتداءً من رجال الصناعة الذين يحرصون على إلغاء الوظائف التي تتطلب يد عاملة، وصولاً إلى من يتبنون التكنولوجيا ومهوسون بها ويفضلون بأن يعطوا الأمر للمنزل بإضاءة أنواره بدلاً عن اللجوء إلى مفتاح الكهرباء المزعج، هو الشريك المثالي في جريمة تُرتكب من أجل إنشاء شبكة أصبحت بالفعل جزءًا لا يتجزأ من مظاهر حياة الإنسان العصرية.

إن ما كُشف مؤخرًا عن أنشطة الوكلاء الروس الذين يجوبون العالم ويخترقون عمليات من المفترض أنها آمنة مثل المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية، وإحدى شركات الطاقة النووية الأمريكية، ومختبر “بورتون داون” العسكري البريطاني، بمثابة تذكير لنا حول مدى هشاشة نظام الإنترنت.

وبخصوص إنترنت الأشياء، هل ستشعر أيضًا بالسعادة الحقيقية عندما تكون في المستشفى وتتناول الدواء عن طريق جهاز يتجاوب مع التعليمات الواردة إليه من الخادم الذي يعمل عن بعد وليس عن طريق الممرضة، وتتبع العديد من المستشفيات حول العالم هذا الإجراء المخيف؟ إذا كان هذا الإجراء يبدو وكأنه تهديدًا بعيد المنال، فلنأخذ في الاعتبار أن وزارة الأمن القومي الأمريكي تحقق حاليًا في الاكتشافات التي تشير إلى أن الجيل الأخير من برامج صانعي السلام القابلة للبرمجة عن بعد يمكن اختراقها عن طريق قراصنة يمكنهم اغتيال الأهداف ببساطة من خلال إصدار تعليمات إلى الجهاز لإحداث عطب.

إن المناطق الأكثر ثراء في الشرق الأوسط – تلك المنطقة المزدهرة بكافة الأجهزة المتصلة والذكية – وهي حاليًا أكثر المناطق عرضة للاختراق مقارنة بالأسواق المتطورة. وفي إحدى الدراسات التي أجرتها شركة “آي بي إم” العام الماضي وشملت “410” شركة في “13” دولة في المنطقة، تبين أن اختراقات البيانات في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة قد أدت إلى ارتفاع تكلفة تأمين بيانات كل شخص إلى أقصى مستوى له، إضافة إلى فاتورة سنوية تقدر بـ”4,94″ مليون دولار أمريكي – أي بزيادة قدرها “6,9” عن العام السابق. وكانت الهجمات الإجرامية السبب الأكثر شيوعًا في تلك الاختراقات، ويستغل الجناة بصفة أساسية ميزة الصداع الأمني والذي يفرضه انتشار استخدام الأجهزة المحمولة في منطقة الشرق الأوسط.

وتحرص الشركات دومًا على تطبيق أحدث الوسائل التكنولوجية، غير أن القليل منها يظل على هذا النهج. ويكفي أنه اتضح أن العديد من الشركات غير مؤهلة لتلك التكنولوجيا العصرية من خلال حقيقة أن المملكة العربية السعودية والإمارات استغرقتا 245 يوم في المتوسط لاكتشاف الاختراق، وثمانين “80” يومًا أخرى لاحتواء هذا الاختراق. ولا غرابة في ذلك، لأن الدولتان من بين الدول التي أنفقت الكثير من الأموال على مسح البيانات بعد اختراقها.

ويعود “بيرنرز لي” إلى الواجهة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بعيدًا عن وظيفته اليومية الحالية كأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وذلك لإطلاق برنامج “Soild”، وهو منصة جديدة عبر الإنترنت، ويقول عنها “بيرنرز” بأنها تمكن مستخدمي الإنترنت من استعادة السيطرة على جميع البيانات الشخصية المخزنة حاليًا على الخوادم الخاصة والحكومية في أنحاء العالم.

وفي حقيقة الأمر، يمثل كل إنسان منا مجرد بيكسل في تلك اللقطة العملاقة والتي تتمدد أضعافًا مضاعفة لذلك النشاط الإنساني في القرن الواحد والعشرين، وتلك اللقطة هي البيانات الكبرى. فهناك تقريبًا أربعة مليار شخص يستخدمون الإنترنت في الوقت الحالي، و”40,000″ يستخدمون موقع البحث “جوجل” كل ثانية (نصفهم عبر الهواتف المحمولة)، ويمتلك موقع “فيسبوك” أكثر من ملياري مستخدم ينشرون “500,000” تعليق كل دقيقة، وخلال كل دقيقة يتم إرسال أكثر من “150” مليون بريد إلكتروني – ثلثها تقريبًا رسائل بريد تطفلية.

وفي أعقاب الفضائح التي وقعت مثل فضيحة شركة “كامبريدج أناليتيكا” والتي أساءت استخدام بيانات مستخدمي الفيسبوك، تبدو فكرة Soild بالقطع فكرة جيدة

وبعيدًا عن التصريحات المبالغ فيها في بادئ الأمر – “سأتتبع المرحلة القادمة من الإنترنت بكل حزم::: إنها مهمتي لتوفير طاقة تجارية ونظام بيئي للمساعدة في حماية نزاهة شبكة الويب وجودتها” – وكانت الحلول التي يعمل عليها “بيرنرز” تصب في هذا الاتجاه: حيث يعمل نظام “Soild” على حفظ كل قصاصة من بيانات المستخدم ليس فقط على الخوادم البعيدة أمثال “جوجل” و”فيسبوك”، بل أيضًا على الخوادم البعيدة والتي تديرها شركة “Inrupt”، وهي الشركة التي أسسها “بيرنرز- لي”.

سيتمكن المستخدم من التحكم في محتويات ما يسمى بـ”كبسولة البيانات” والوصول إليها ولكن عن طريق تطبيق آخر، وبطبيعة الحال سيكون المستخدم قادرًا على تحديد التطبيقات والخدمات الأخرى التي سيسمح بمرور بعض المعلومات إليها.

ولكن هل هذا هو الحل لمشكلة الإنترنت الحقيقية الخارجة عن السيطرة، وهي أن مجموعة كبيرة من البيانات الخاصة قد كشفنا عنها، عن قصد أو بدونه، إلى ذلك العالم الجامح لتعود بالنفع على شركات تجارية وأخرى أكثر شراسة؟ أو أن هذا الحل مجرد بوابة أخرى يستطيع “المستخدمون” من خلالها الوصول إلى الخدمات الرقمية، وفرصة أخرى لتجاهل كلمات المرور الأخرى؟

هذا ويواجه تطبيق “Soild” معركة شاقة. ويعيش “بيرنرز- لي” حالة صراع مع شركات مثل “جوجل” و”فيسبوك”، ويقول بأنه يعلم أن ما يقترحه سيقلب، إن نجح، نماذجهم التجارية رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها. وقال بشجاعة “لن نطلب تصريحًا منهم بذلك”.

وتمنى التوفيق في ذلك. ويبدو من غير المحتمل، القول على أقل تقدير، بأن الشركات التي يبلغ رأس مالها مليارات الدولارات ستستسلم للأمر ببساطة وتنفض يدها عن الأمر، بالإضافة إلى أنه لا يوجد حتى الآن من لديه القدرة على التحكم في الإنترنت أو الحد من استخداماته أو تقييده بشكل أو بآخر. وكلما أسرعت الحكومة في حجب الوصول إلى الانترنت أو فلترته، سارعت العقول الذكية والمخادعة إلى تخطي تلك الحواجز. ولأن شركات الأمن ابتكرت حماية “جانبية” للحسابات المصرفية عبر الإنترنت وما شابه، تعمل أيضًا تلك العقول الخارقة على اكتشاف الطبيعة الفوضوية لهذا الوسيط وتنقض عليه.

وبدلاً من دعوة شركات أخرى وتطبيقاتها الباهرة إلى حياتنا الرقمية، فربما يتعين علينا البدء في الإصغاء إلى التحذيرات التي أطلقتها مؤسسات مثل مركز دراسة المخاطر الوجودية والذي يتخذ من جامعة “أوكسفور” مقرًا له، وتم إنشاؤه في العام 2012 وكان الهدف منه دراسة المخاطر التي قد تعرض الإنسان للانقراض أو انهيار الحضارة والحد منها.”

بخصوص المسؤولية الاجتماعية والبيئية للشركات، نجد أن الإنترنت، بقدرته على إثارة الثورات السياسية ونشر الأخبار والدعاية الكاذبة، يسهل الهجمات الإلكترونية ويحول الذكاء الاصطناعي إلى “سلاح”، يشكل نفس التهديد الذي يشكله التغير الكارثي للمناخ والوباء العالمي الذي يحدث بسبب تطورات التكنولوجيا الحيوية الخارجة عن السيطرة.

وهناك بالطبع سبيلاً لمنع سرقة المعلومات الشخصية أو إساءة استخدامها، سواء من قبل المجرمين أو الشركات التجارية أو المسئولين في الدولة والتي تهدف إلى إشاعة الفوضى في المجتمعات بأكملها: ولتحتفظ بهذا السبيل لنفسك، وهو تجنب استخدام الانترنت وعدم الوثوق بأي شخص – وربما على وجه الخصوص ليس ذلك الشخص الذي يستخدم تطبيق “Skynet” في المقام الأول – لإدارة بياناتك.

وبالطبع، في تلك الحقبة التي يعد فيها الوصول إلى الإنترنت من الأمور التي ترقى إلى حقوق الإنسان وفقًا للأمم المتحدة، ويعتقد العديد من الأشخاص أن حياتهم بلا معنى بدون حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، ونجد أن إقناع الناس بالتخلي عن كل ما يشبه “الفيسبوك” و”انستجرام” و”تويتر” يتطلب تغيير العقول العصرية وهو أمر لم يعد ممكنًا.

في العام 2016، احتفل المجلس الثقافي البريطاني بمرور ثمانين “80” عامًا على إنشائه، وحضر الحفل مجموعة من العلماء وأخصائي التكنولوجيا والأكاديميين والفنانين والكتاب والمذيعين وقادة العالم ليختاروا أكثر اللحظات أهمية على مدار الثمانين عامًا الماضية. وجاء في مقدمة القائمة النهائية، والتي تم ترتيبها وفقًا للأصوات البالغ عددها “1000” صوت، الشبكة العنكبوتية العالمية لبيرنرز – لي، وتفوق اختراع “بيرنرز” على “البنسلين”، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واختراع القنبلة النووية.

وأعلن المجلس الثقافي البريطاني أن الشبكة العنكبوتية العالمية هي وسيلة التواصل الأسرع نموًا في جميع الأوقات”، وأن خدمة الإنترنت التي توفرها الشبكة قد “غيرت من شكل الحياة العصرية للأبد”، حتى تمكنا من التواصل مع بعضنا بعض على الفور ومن أي مكان في العالم. وإذا عاد بنا الزمن إلى العام 1989، فمن المحتمل أن نرى ان هذا الاختراع كان أمرًا جيدًا.

AFP PHOTO/FAYEZ NURELDINE