في سوريا، وحدات حماية الشعب الكردية ذات النفوذ تهدد بالقضاء على قوات سوريا الديمقراطية

حايد حايد

إن الانسحاب المحتمل للقوات الأمريكية من المنطقة التي تقع شمال شرقي سوريا والذي أعلنت عنه أمريكا في أبريل قد أثار المخاوف بشأن مصير قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد وتحظى بدعم أمريكا، وحذّر المحللون من أن النية الواضحة للولايات المتحدة بالانسحاب من المشهد ببساطة دون ضمانات لحماية قوات سوريا الديمقراطية بعد غياب الولايات المتحدة الأمريكية سيمنح أعداء قوات سوريا الديمقراطية فرصة للتجرؤ عليها، حيث يحاول النظام السوري أن يبسط سيطرته مرة أخرى على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا، وتسعى تركيا إلى سحق وحدات حماية الشعب الكردية والتي تصنفها أنقرة كجماعة إرهابية وامتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور قانونًا.
ومع أن البيان الأمريكي يسلط الضوء على التهديدات الخارجية التي تواجه قوات سوريا الديمقراطية، لم يلتفت الكثيرون إلى الانقسامات داخل قوات سوريا الديمقراطية رغم أنها تشكل بنفس القدر مخاطر كبيرة على وجودها. ومع انتقال جهود مكافحة الإرهاب إلى مرحلة جديدة بسبب المكاسب العسكرية التي تحققت ضد تنظيم داعش؛ يواجه تحالف قوات سوريا الديمقراطية – أحد أكثر الجماعات المسلحة غير الرسمية فعالية في البلاد – خطر الانقسام فضلاً عن التداعيات المستمرة على الحرب السورية بأكملها.
والواقع أن الاشتباكات المتكررة، وإن كانت غير معلنة، بين فصائل قوات سوريا الديمقراطية تعود إلى تلك العيوب التي أصابت بنيان الجماعة، ونشأ هذا التحالف في العام 2015 بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء قوة متعددة العرقيات تضم العديد من المجتمعات السورية ومنها الأكراد والعرب والآشوريين والتركمان من أجل محاربة تنظيم داعش في سوريا، ولم يكن بزوغ التحالف في الأساس بسبب نجاح التعاون بين مجموعاته التأسيسية، وبدلاً من ذلك تكوّنت قوات سوريا الديمقراطية بطلب مباشر من واشنطن التي حاولت أن تجد وسيلة لدعم وحدات حماية الشعب الكردية دون نشوب أزمة كبيرة مع تركيا.
وبعد ذلك، أبرمت “وحدات حماية الشعب” الكردية صفقات مع مجموعات مسلحة أصغر تتألّف من عرقيات وديانات مختلفة مما جعلها تبدوا أكثر شمولاً ومنحها شرعية السيطرة على مناطق مثل “الرقة” حيث الأغلبية العربية، لم تكن الفترة القصيرة نسبيًا منذ أن شكّلت قوات سوريا الديمقراطية تحالفها فترة كافية لكيّ تتوصّل فصائلها إلى اتفاق بشأن المشكلات التي ظهرت أثناء مرحلة تشكيل هذا التحالف، ومنها القرارات الأساسية الخاصة بعلم التحالف وأهدافه الأساسية وتحديد أيديولوجيته.
إن تواضع أعداد وقدرات معظم المجموعات التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية جعل وحدات حماية الشعب الكردية بمثابة القوة الأساسية ووضعها في مكانة بارزة لتتمكن من اتخاذ تلك القرارات بشكل منفرد، إن حجم وحدات حماية الشعب الكردية واختصاصها وروابطها القوية مع القوات الأمريكية قد عزّز مكانتها كقائد فعلي لتتحمل مسؤولية الميزانية الإدارية وتعيين قادة على خطوط المواجهة وقادة إقليميين، وتوزيع المؤن العسكرية والتنسيق مع الجيش الأمريكي.
تلك السيطرة أدّت بشكل فوري إلى نشوب صراع داخلي على السُلطة بين الفصائل المكونة لوحدات حماية الشعب الكردية، ووفقاً لمنظمة “مجموعة الأزمات الدولية” ؛ تُعتبر قوات سوريا الديمقراطية قوة سورية مختلطة من الناحية الشكلية فقط، فقادتها ليسوا أكرادًا ويفتقرون في الواقع إلى أي سُلطة، وتشكل وحدات حماية الشعب الكردية ومجموعة قليلة من الجماعات المدربة على يد حزب العمال الكردستاني تسلسل قيادي غامض تسري فيه القرارات من أعلى إلى أسفل مما يمنع القادة والمقاتلون المحليون من تبوأ مناصب هامة. وللمحافظة على هيمنتها، كانت الصراعات تنشب بصورة متكررة بين وحدات حماية الشعب الكردية وبين الفصائل والأفراد الذين يهددون سلطتها التي لا تتناسب وحجمها.
وعلى سبيل المثال، أفادت التقارير بأن وحدات حماية الشعب الكردية تستغل نفوذها لإبعاد “لواء ثوار الرقة” وهو عبارة عن جماعة مسلحة من المشاركة في الهجوم الذي شنته وحدات حماية الشعب الكردية في العام الماضي للسيطرة على مدينة “الرقة”، لكنها سمحت لمقاتلي اللواء بالمشاركة في الهجوم كأفراد، واعتبر كثيرون هذا التصرف بمثابة خطة عدائية تهدف إلى كبح قوة اللواء المتنامية والتي تعتبر تهديد للمحاولات التي تقوم بها وحدات حماية الشعب الكردية لاحتكار السلطة.
أصبح التنافس بين فصائل قوات سوريا الديمقراطية أشد وطأة لضم مجندين جدد، ففي أكتوبر من العام 2016، احتجزت وحدات حماية الشعب الكردية “25” مقاتلاً كردياً ممن انضموا إلى قوات “الصناديد”، وأبقت عليهم في أحد معسكرات التدريب العسكرية، وأوردت التقارير أنها أجبرتهم على الانضمام إلى وحدات حماية الشعب الكردية بدلاً من قوات “الصناديد”، وردًا على ذلك؛ هدّد قائد قوات الصناديد بسحب مقاتلي القبائل من التحالف احتجاجًا على هذا التصرف، وبالرغم من أن الموقف لم يشهد أي تصعيد آخر، إلا أن الديناميكيات الأساسية في التعامل ظلت كما هي، وفي حالة مماثلة؛ أخبرت مجموعة من “قوات النخبة” والتي تقاتل بجانب قوات سوريا الديمقراطية في معركة الرقة كاتب هذا المقال بأنها استُبعِدت من الهجوم الذي وقع في يوليو 2017 وذلك بعد أن ضمت لصفوفها متطوعين محليين ومجندين جدد.
ومازالت إدارة مجموعة قوات النخبة محل نزاع حيث حاولت وحدات حماية الشعب الكردية إقامة نموذجاً للحُكم في المناطق الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية ليعكس نماذج الحكم التقليدية لدى الأكراد، وأفادت التقارير بأن العديد من الفصائل غير التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية تعارض هذا النموذج الذي يسيطر عليه المجموعات المدربة على يد حزب العمال الكردستاني لأنه لا يراعى المشاركة المحلية، وعلى سبيل المثال، عندما قررت وحدة حماية الشعب الكردية في أبريل من العام 2017 تشكيل مجلس مدني حاكم في مدينة “الرقة”؛ رفض المكتب السياسي للواء الثورة في مدينة الرقة، وهي مجموعة ثورية حليفة، هذا المقترح على أساس أن المجلس لا يمثل سكان الرقة، وبالمثل، نشبت نزاعات بين وحدات حماية الشعب الكردية والمجلس العسكري في دير الزور وهي القوة الوحيدة التي تتألف من مقاتلين عرب محليين ويعملون تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية.
ومما لا شك فيه أن القدرات الكبيرة التي تتميز بها وحدات حماية الشعب الكردية على مستوى قيادة الوضع والسيطرة عليه ساعدت على زيادة الانضباط وتطور الأداء لدى قوات سوريا الديمقراطية، غير أن الفشل في التعامل مع الانقسامات الداخلية والقوات المنافسة ولاسيما مع انحسار التهديد الذي تشكله قوات داعش في ساحة المعركة سيهدد وحدة التحالف واستقرار الأماكن الخاضعة لسيطرته.

AFP PHOTO/Delil Souleiman