الوضع ضد إيران يلقي بظلاله على حزب الله

في الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن توقيع ثلاثة إجراءات عقابية منفصلة تستهدف جميعها الدعم الإيراني لمنظمة حزب الله وقياداته البارزة وشبكته المالية والإجرامية الأوسع نطاقًا. وليس مصادفة أن تأتي تلك الخطوات بعد مرور أسبوع واحد على إعلان الرئيس الأمريكي/ دونالد ترامب عن أن العقوبات المرتبطة بالاتفاق النووي والتي تم التنازل عنها أو رفعها في وقت سابق بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة سيتم إقرارها مرة أخرى، وهو ما يجعل انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني خطوة فعالة.

وأنذرت التحركات الأخيرة لوزارة الخزانة الأمريكية عن المستقبل المشؤوم للإيرانيين والشركات التجارية التابعة لها، فضلاً عن نفس المستقبل لوكلائها في المنطقة. فمن المحتمل أن يكون الغرض من الإجراءات التي تستهدف الدعم الإيراني للإرهاب وغيرها من الأنشطة التي تزعزع استقرار المنطقة هي أهداف وعلاقات وسلوكيات جديدة، ولهذا يتعين على حكومات دول العالم والقطاع الخاص أن يتسم بالمرونة وسرعة رد الفعل في تعامله مع هذا الوضع، ولهذا نتوقع من وزارة الخزانة الأمريكية أن تستخدم كل ما في جعبتها من وسائل – بما في ذلك تلك الوسائل المرتبطة بالاتفاق النووي الإيراني – خلال مساعيها الرامية إلى استهداف الجهود الإيرانية الإجرامية في المنطقة. وبالفعل، لم يكن الغرض من إجراءات واشنطن ضد إيران هو مجرد استهداف نشاطها النووي فحسب، بل كافة الأفعال الإيرانية التي قد تحدث الجلبة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يجب إدراكه جيدًا.

إن تحرك الرئيس ترامب ضد إيران لم يكن بالمفاجأة، فلقد استعد بشكل فعال في بداية هذا العام لانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني بعد أنه طالب إيران بأربعة شروط –والتي يستحيل تقريبًا تحقيقها، من أجل الإبقاء على الاتفاق النووي ، واستعدت المؤسسات المالية والشركات العالمية لمسألة إعادة فرض تلك العقوبات مرة أخرى، كما تبين من أفعال الشركات الأوروبية. فهناك الرد السريع من شركتي “توتال” و”سيمنز” على تلك التطورات، حيث أعلنت الشركتان عن إنهاء نشاطها التجاري في إيران تدريجيًا وعدم استكمال الجديد منها. ورغم المخاوف التي أعلن عنها المسؤولون الحكوميون الأوروبيون، إلا أن كبار المصارف الأوروبية لم تسعى مطلقًا لإقامة علاقات تجارية مع طهران بسبب المخاطر المرتبطة بهذا الأمر، فضلاً عن أن المصارف الصغيرة التي تم الاستثمار فيها على استحياء قد بدأت نشاطها منذ فترة قصيرة.

واليوم أعلن الرئيس “ترامب” عن إعادة فرض العقوبات على إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وركزت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية على مسألة التزام إيران بخطة العمل الشاملة المشتركة. وأسرد الخبراء العديد من الأخبار الصحفية التي تشير إلى التزام إيران بالاتفاق النووي وفقًا لما ذكرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأكده وزير الخارجية “مايك بومبيو”، وسلفه “ريكستيلرسون”، وهي أسباب تجعل أمريكا لا تتنصل من التزامها. ورغم ذلك، لم يكن للإلتزام الإيراني بالاتفاق النووي أي صلة بقرار ترامب، فبالإضافة إلى مخاوف ترامب المتعلقة ببرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية وموعد الانتهاء من البرنامج وفقًا للاتفاقية، فضلاً غيرها من المخاوف، كان قرار الإدارة الأمريكية يركز تركيزًا شديدًا على التصرفات الإيرانية الرامية إلى نشر حالة من الفوضى في المنطقة. ولهذا يجب أن نتوقع المزيد من الإجراءات المالية العدوانية والموجهة والتي تدعم هذه السياسة.

إن العقوبات التي أقرتها وزارة الخزانة الأمريكية ضد محافظ البنك المركزي الإيراني، ولي الله سيف، والمصرف العراقي “مصرف البلاد الإسلامي” كانت خطوة هامة، لأن المقصود من هذه الخطوة لم يكن الاقتصاد الإيراني بقدر ما هو على وجه التحديد الكشف عن تحويلات الأموال إلى حزب الله في لبنان وتحجيم جهودها في هذا الأمر. ونقلاً عن إحدى الإصدارات الصحفية لوزارة الخزانة الأمريكية، صرحوزير الخزانة الأمريكية “ستيفن منوشين” قائلاً: “الولايات المتحدة لن تسمح بالانتهاك الصارخ المتزايد من إيران للنظام المالي العالمي، وعلى المجتمع الدولي أن يظل حذرًا من الجهود المخادعة لإيران لتقديم الدعم المالي لوكلائها الإرهابيين.”

عقب الإجراءات اللاحقة للخزانة الأمريكية ضد قادة حزب الله بعد مرور يومين فقط على الإجراءات السابقة، والتي اتخذتها الدول السبع الأعضاء في مركز استهداف تمويل الإرهاب، لم ترغب الإدارة الأمريكية في الإعراب فقط عن مخاوفها المتعلقة بالنفوذ الإيراني في المنطقة، بل عن استعدادها للتعامل تباعًا مع الحكومات الإقليمية المتعاونة معها.

وأخيرًا، وبعد أن اختتمت وزارة الخزانة الأمريكية بعقوبة ضد أحد ممولي حزب الله “محمد إبراهيم بازي” وشركاته العالمية، وممثل حزب الله في لبنان “محمد صفي الدين”، لم تهدف إدارة ترامب إلى الكشف فقط عن الصلة بين شركات حزب الله وأنشطته غير المشروعة، فضلاً عن الإتجار بالمخدرات، بل كان الهدف توصيل رسالة فعالة مفادها أن الإدارة الأمريكية ستلاحق أي شخص له علاقة بالمصرف المركزي الإيراني”.

من خلال المراقبة عن كثب لتطورات الإجراءات المالية الموجهة ضد إيران ووكلائها في المنطقة، نجد أن أكثر التطورات الملفتة للنظر هي طريقة الإدارة الأمريكية في التلويح بفرض عقوبات ثانوية بموجب العقوبات الشاملة على إيران وقانون المحاسبة وسحب الاستثمارات، وهي العقوبات التي أقرها ترامب مرة أخرى الأسبوع الماضي. وبموجب هذا التشريع، تفرض الإدارة الأمريكية عقوبات ثانوية على من يمهد الطريق للمساعي الإيرانية لنشر أسلحة الدمار الشامل و/أو من يسهل دعم إيران للمنظمات الإرهابية أو الأفعال الإرهابية الدولية. عندما أقرت الإدارة الأمريكية هذا التشريع في 2010، تبين أن التلويح بفرض تلك العقوبات أكثر فعالية من تنفيذها، وبعد فرضها في ظل عدم وجود خيارات أخرى، بدأ عدد كبير من الشركات وغيرها من الكيانات قطع علاقاتها مع إيران. والتلويح من قبل وزارة الخزانة الأمريكية ظاهريًا بفرض عقوبات ثانوية ليس فقط من أجل استهداف برنامج الانتشار النووي الإيراني، بل أيضًا استهداف أنشطتها الرامية إلى زعزعة الامن والاستقرار في المنطقة.

ومع أنه من الصعوبة بمكان توقع الكيانات والأفراد الجدد الذي قد تشملهم العقوبات، إلا أنه من المؤكد أن إدارة ترامب تقصد الشركات. ولهذا، عندما يحذر مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض “جون بولتون” الشركات الأوروبية من أن الولايات المتحدة الأمريكية ستفرض عقوبات ثانوية إذا مارست أنشطة تجارية مع الحكومة الإيرانية أو الكيانات الإيرانية التي تخضع للعقوبات الأمريكية، وعندما يحث مساعد وزير الخزانة الأمريكية “مارشال بيلينغسليا” لبنان على التأكد من انقطاع الصلة بين حزب الله والقطاع المالي الرسمي، فمن الأفضل لتلك الشركات أن تصغي بإمعان إلى تلك التحذيرات. ومن الواضح جيدًا إلى أين تتجه العقوبات الأمريكية، ويبدو أن الأمور لا تصب في مصلحة إيران أو من يتعاملون مع حكومتها أو الأشخاص الذي يخضعون للعقوبات الأمريكية.

AFP PHOTO/Saul LOEB