بسبب حربها الباردة مع إيران، علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع الصين تزداد تعقيدًا

كريستيان لامير

AFP Photo: Atta Kenare

ثمة اعتقاد لدى الجميع تقريبًا بأن حربًا باردة جديدة تدور رحاها بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. وهذا اختزال سهل ومضلل أيضًا لعلاقة – تزداد برودًا بشكل مؤكد. ورغم ذلك، لا يوجد حرب باردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، على الأقل حتى الآن. والواقع يقول أن تلك العلاقة بالغة التعقيد.

ومع ذلك، هناك حرب باردة بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة أخرى: إنها إيران. وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تظل منخرطة في الشرق الأوسط لفترة أطول مما تريد. وهذا، بدوره، سيؤثر على وضع الجيش الأمريكي والتحالفات العالمية في السنوات المقبلة، مما يؤثر على رد فعل الولايات المتحدة الأمريكية على التوتر المتزايد مع الصين.

ولتوضيح الصورة أكثر، تفتقر العلاقة الصينية الأمريكية إلى أبرز عناصر الحرب الباردة – وهي الحرب الفعلية. ولا يوجد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين أي حروب بالوكالة. (وكان ذلك بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.) وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من وجود منافسة شرسة بين أجهزة المخابرات الخاصة بكل منهما، لم يمارس أي طرف منهما أي عمليات اغتيال أو خطف ضد الآخر. (وحدث هذا بالتأكيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.)

وعلى النقيض من ذلك، فالولايات المتحدة الأمريكية جزءًا من تحالف تقوده السعودية، وينخرط هذا التحالف بالفعل في حرب بالوكالة على إيران في اليمن. وفي غضون ذلك، يهاجم وكلاء إيران القوات الأمريكية ومنشئاتها في الشرق الأوسط بانتظام. واستشهد المفتش العام للبنتاجون في تقريره الذي أصدره في وقت سابق من هذا العام بتلك الهجمات، حيث قال، استنادًا لهذا، بأنه على واشنطن الإسراع في تسليم قواعدها في العراق إلى قوات الأمن المحلية. ويستهدف وكلاء إيران في جميع أنحاء المنطقة، بدءًا من حزب الله اللبناني، وحماس في الأراضي الفلسطينية، وصولاً إلى القوات غير النظامية المتنوعة في سوريا، الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بانتظام، بما في ذلك الهجمات على سفن الشحن الدولية في الخليج، وعلى مصفاة “بقيق” للنفط في السعودية العام الماضي، وعلى القوات الإسرائيلية بصورة دائمة.

ومن ناحية أخرى، شاركت إسرائيل، وهي الحليف الإقليمي الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية، في حملة واسعة النطاق لاغتيال العلماء النوويين الإيرانيين. وفي يناير/كانون الثاني، قتلت الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولًا عسكريًا إيرانيًا رفيع المستوى، وهو “قاسم سليماني”.

وفيما يتعلق بالاقتصاديات، تدور في واشنطن واحدة من أهم المناقشات حول إلى أي مدى يجب على الولايات المتحدة الأمريكية “الانفصال” عن الصين. ولكن رغم شدة القيود المفروضة على الاستثمار الصيني، والعقوبات التي تستهدف الصين، والتعريفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها على مدار السنوات الثلاث الماضية، ما تزال العلاقة التجارية بين البلدين هي الأكبر من نوعها في العالم، حيث تمثل “15%” من إجمالي التجارة الأمريكية. وفي الواقع، من المستحيل أن يحدث “الانفصال الكامل” الذي حذر منه دونالد ترامب مؤخرًا، عندما قال “هل سيكون ثمة شيء للبيع في متاجر وول مارت؟، وكيف ستنتج المصانع الأمريكية أي شيء بدون أجزاء من الصين؟

ومع ذلك، وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، شهدت العلاقة التجارية بين الطرفين صعوبة لتجاوز نسبة “1%” من إجمالي التجارة لكلٍ منهما، وهذا بالرغم من أن أمريكا والاتحاد السوفييتي على التوالي هما أكبر وثاني الاقتصاديات في العالم خلال تلك الحقبة.

ومن هذا المنطلق، تكون العلاقات الاقتصادية بين أمريكا وإيران أقرب بكثير إلى الحرب الباردة الكلاسيكية. وتبلغ قيمة التبادل التجاري بين أمريكا وإيران بضعة ملايين من الدولارات سنويًا، بينما تفرض واشنطن عقوبات أولية وثانوية على إيران، وتخنق اقتصادها من خلال منعها بشكل كبير من بيع صادراتها الأساسية – وهو النفط.

وبالطبع، تختلف العلاقات الأمريكية الإيرانية اختلافًا كبيرًا عن نموذج الحرب الباردة السوفيتية الأمريكية في عدم التماثل بين الاتحاد السوفيتي وإيران. ولكن على مستوى العنف، واستخدام الوكلاء والتباعد الاقتصادي، فإن العلاقة أقرب إلى مثال الحرب الباردة (على المستوى الإقليمي على الأقل) أكثر منها إلى العلاقة بين الصين والولايات المتحدة حاليًا.

وهذا ليس مجرد تأمل فارغ. وفي ظل التوتر المستمر في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ما تزال الأضرار العاطفية لاغتيال سليماني تؤلم طهران، وبات أمرًا حتميًا أن تزداد الهجمات من جانب إيران ووكلائها على منشئات أمريكا وحلفائها.

وبالنسبة لواشنطن، من شأن تلك الهجمات أن تعقد عملية صنع القرار. ويتفق الحزبان الجمهوري والديمقراطي على أن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تصب تركيزها على الصين، ونشر قواتها في المحيط الهادئ بدلاً من الخليج. وبعد كل هذا، تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بالدفاع عن حلفائها في المنطقة مثل اليابان وتايوان، والدفاع عن حرية الحركة في بحر الصين الجنوبي، وردع الصين عن تنفيذ خططها العنيفة القسرية. ومع ذلك، تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية على التجارة مع الصين بشكل معقد.

ولأجل الضرورة التكتيكية الفورية لردع إيران ودعم الحلفاء وحماية المنشئات الأمريكية في الشرق الأوسط، بات من الصعوبة بمكان سحب جزء كبير من القوات الأمريكية في المنطقة وإعادة نشرها في الشرق. وحتى لو قررت إدارة “بايدن” في المستقبل العودة إلى العمل بالاتفاق النووي مع إيران، فلن يمنع هذا إيران من استخدام وكلائها في جميع أنحاء المنطقة.

ومن ثم، ستظل إيران شاغلة لحيزٍ كبير في صنع السياسة الأمريكية والتخطيط الدفاعي. وبينما تهدف واشنطن إلى إعطاء الأولوية للصين والمحيط الهادئ في توازنها الاستراتيجي، فإن إخراج الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق الأوسط وسحب قواتها من دول الخليج سيكون تحديًا مستمرًا. وهكذا، باتت الصين ممتنة كثيرًا لإيران.

 

كريستيان لامير، مؤسس شركة Arcipel، وهي شركة استشارات إستراتيجية مقرها لندن ولاهاي. في وقت سابق، عمل “لامير” كبير المستشارين لإحدى الشركات في أبو ظبي، وأحد كبار الباحثين في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن.