الاتفاقية بين الولايات المتحدة وطالبان وآثارها الهشة

الين ليبسون

AFP photo: Giuseppe Cacace

إن الاتفاقية التي أبرمتها الحكومة الأمريكية مع قيادة طالبان الأفغانية، وجرى توقعيها في نهاية هذا الأسبوع في الدوحة في دولة قطر، تمثل إنجازًا دبلوماسيًا، وتضع استراتيجيةً لخروج القوات الأمريكية من أطول حرب لها في تاريخ البلاد. ورغم ذلك، لم تبد واشنطن وكابول فرحتهما بهذه الاتفاقية. ويزخر الواقع المحزن بالشكوك حول النوايا الحقيقية لطالبان، والعديد من الجهات التخريبية، واحتمالية تصدي حكومة الرئيس “أشرف غني” لتنفيذ تلك الاتفاقية.

ويعود الفضل إلى المفاوض والسفير الأمريكي السابق لدى أفغانستان، “زلماي خليل زاد”، في الوصول بالمفاوضات الصعبة في كثير من الأحيان إلى خط النهاية. ومنذ بدأ المفاوضات في عام 2013 بافتتاح مكتب دبلوماسي لطالبان في قطر، تعثرت المفاوضات عدة مرات بسبب نقض الوعود بشأن وقف إطلاق النار، والمبادئ الأساسية لكل جانب: ورأت الولايات المتحدة الأمريكية أن المحادثات مع طالبان خطوة أولى نحو عملية سلام أكثر شمولاً داخل أفغانستان، في حين ركزت حركة طالبان على انسحاب القوات الأمريكية لتصحيح علاقاتها مع حكومة كابول، أو رفض علاقاتها بالقاعدة. وكان الرئيس ترامب آخر من أثار حالة من الارتباك، بعد إفشاله حفل التوقيع على الاتفاقية في عام 2019 مؤكدًا على أنه المسؤول عن إفشال هذا الأمر. وافتقاراً منه إلى الحساسية الساسية بشكل يدعو للدهشة، اقترح “ترامب” أن يستضيف طالبان في الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر “11” من سبتمبر 2019.

ورغم الصعوبات، بات اليوم ثمة اتفاق يقضي بالانسحاب التدريجي لمعظم القوات الأمريكية المتبقية في البلاد والبالغ عددها 12000 جندي. وقد يكون هذا أفضل نتيجة ترغبها الولايات المتحدة الأمريكية وتصب في مصلحتها، والتي سيبرزها ترامب كأحد إنجازاته في مجال الأمن القومي. ويرتبط التنفيذ الكامل للاتفاق بمعايير مختلفة، وقد تكون العقبة الأكثر إلحاحًا هي رفض حكومة “غني” في كابول الإفراج عن “5,000” سجين من طالبان، وهو الأمر الذي تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية “بتسهيله”. ويسعى السياسيون والنقاد جاهدين لمعرفة المزيد عن الملحقات السرية لهذه الاتفاقية، والتي قد توضح الظروف التي تبقى فيها القوات الأمريكية في أفغانستان لمهام محددة، ورغم ذلك، يجب التركيز على مدى قدرة الجهات السياسية الأفغانية على دعم هذه العملية.

وبالنسبة لطالبان، يجب النظر إلى الاتفاقية على أنها نجاح كبير يضفي عليها شرعية كلاعب أساسي، باعتبارها الممثل الأفغاني الوحيد الذي ربما يكون قد نجح في إخراج القوات الأجنبية. والأمر الوحيد الذي يمكن تخيله هو شعار حملة في المستقبل يروج لطالبان البطولية وهي تحمي الحقوق السيادية الأفغانية. ويعتقد البعض أن الوهن قد أصاب طالبان على مر السنين، وإذا ما أصبحت طالبان جزءًا من النظام السياسي الرسمي في كابول، سواء كانت في صفوف المعارضة أو حتى في السلطة، فقد تتبنى سياسات أكثر حداثة على مستوى التعليم ووضع المرأة. ويبقى هذا الأمر مجهولاً، وهناك تفاعل سلبي في أنحاء المجتمع الأفغاني من جانب ضحايا عنف طالبان بسبب الوضع الذي منحته الولايات المتحدة الأمريكية لحركة طالبان بموجب الاتفاق معها.

وتشهد حكومة كابول، المجهدة بالفعل بعد المنافسة الانتخابات الرئاسية الثانية بين “غني” وعبد الله عبد الله، تباين في وجهات النظر حول الاتفاقية. وعبر “غني” عن استيائه الشديد من أن الولايات المتحدة الأمريكية، حليفته ظاهريًا، قبلت بشروط طالبان وهي استبعاد المسؤولين الحكوميين من المفاوضات. وقال “غني” في حديثٍ له مع “فريد زكريا” مراسل “سي إن إن” الإخبارية في 1 مارس، لا يمكن لطالبان أن تملي الشروط على كابول. وأوضح “غني” أن إطلاق سراح السجناء، على سبيل المثال، سيتطلب مرحلة طويلة من المفاوضات، وأن حكومته لا تزال بحاجة إلى الاقتناع بأن طالبان ستحترم الوقف الكامل لإطلاق النار، وتقطع علاقاتها بجميع المنظمات الإرهابية وعصابات المخدرات، وتعلن دعمها لحقوق الأفغانين المدنية، وأكثر من ذلك. وقد ينهار الاتفاق المبرم في الدوحة بسبب حجم الاختلافات بين كابول وطالبان في جميع مسائل الحكم والقيم السياسية للدولة.

وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، إذا سمح هذا الاتفاق – دون غيره من الاتفاقات التي تقتضي مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي – بالانسحاب المنشود للقوات الأمريكية وقوات الناتو، فسيجد هذا الاتفاق مكانها في تراث الأمن القومي كحرب أخرى لم تحقق نصرًا عسكريًا. لقد فشلت جميع الحروب تقريبًا منذ الحرب العالمية الثانية، باستثناء الحرب الخليجية 1990-1991، في تحقيق انتصار عسكري واضح، وتسوية سياسية مستدامة. وستنضم أفغانستان إلى فيتنام في كونها حرب طويلة ومأساوية للولايات المتحدة الأمريكية، وافتقرت فيها الولايات المتحدة الأمركية إلى رؤية واضحة.

وانساق الزعماء السياسيون الأمريكيون على مدار ما يقرب من عقدين وراء مجموعة ممتدة من الأهداف السياسية والتي استمرت في تغيير الشروط بما يخدم مصلحة القوات المسلحة الأمريكية. في أواخر عام 2001، تمكنت القوات الأمريكية من هزيمة القاعدة، وإزاحة طالبان عن السلطة، ولكن في ظل هذا النجاح، سعى القادة الأمريكيون لتحويل أفغانستان إلى مكان أكثر استقرارًا وحداثة، ولن يقع فريسة للتطرف مرة أخرى.

والدرس المستفاد من هذه الاتفاقية هو أن أفغانستان – البلد شديد التأخر عن ركب الحضارة، والمحافظ اجتماعياً – عليها أن تحقق التوازن السياسي المناسب لها. واليوم، باتت العلاقات الأمريكية الأفغانية في مرحلة إعادة تقويم مثيرة.

إلين لايبسون، النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، وتشغل حاليًا منصب مديرة برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، وهي رئيس سابق ومدير تنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبل هذه الفترة، قضت “لايبسون” ربع قرن في العمل لدى الحكومة.