العولمة ماضية في مسيرتها ولن تقف

أفشين مولافي

Image courtesy of Chuttersnap / Unsplash

هل تذكرون الحديث حول نهاية العولمة؟

تبنى العديد من المعلقين فكرة ” نهاية العولمة ” بسبب ما خلقته الجائحة من تداعيات ومن فوضى في الاقتصاد العالمي وبفضل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، حيث أدعوا أن التدفق الكبير للسلع والخدمات والأشخاص ورأس المال والأفكار الذي يشكل هوية عالمنا سيكون ذكرى للتاريخ.

ودعم حجتهم تلك غزو روسيا لأوكرانيا والتصدع الجيوسياسي المرتبط به، ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن العولمة لا تحتضر ولا تتراجع. بل أن عالمنا قد أصبح أكثر ارتباطا من أي وقت مضى، ويخبرنا التاريخ إن التواصل – مثل الوقت – لا يتحرك إلى الوراء. نعم، يمكن للصدمات الكبرى مثل الحرب العالمية أو الوباء أن تبطئ عقارب الساعة، لكنها في النهاية تعمل من جديد في اتجاه المزيد من التواصل.

وقدم تقرير صدر مؤخرا عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حول التجارة العالمية لمحة عن الاتجاه الذي نتجه إليه، حيث سجلت التجارة العالمية رقما قياسيا جديدا بلغ 32 تريليون دولار في عام 2022، حسبما ذكرت الأونكتاد. وبلغت تجارة السلع 25 تريليون دولار، بزيادة 10 في المئة عن عام 2021، وسجلت تجارة الخدمات رقما قياسيا بلغ 7 تريليونات دولار، بزيادة 15 في المائة عن العام السابق.

وربما الأهم من رقم الدولار، هو ارتفاع حجم التجارة بنسبة 3 في المئة على أساس سنوي، وكما لاحظ الأونكتاد، فإن “النمو الإيجابي في حجم التجارة الدولية يشير إلى مرونة الطلب العالمي”.

وقد سمعنا جميعا قصص سلاسل التوريد المذهلة التي تجلب لنا القهوة والشاي في الصباح، أو الوقود والمركبات التي تنقلنا، والبروتينات والحبوب التي تنشطنا، والأدوية واللقاحات التي تشفينا، وأكثر من ذلك بكثير. وثورة الشحن العالمية هي السبب في أن الأوروبيين يرتدون قمصان الموضة المصنوعة في بنغلاديش، والأفارقة والعرب يبحثون عن المعلومات في هواتفهم الذكية، وفول الصويا من البرازيل يغذي الخنازير في الصين.

ولا يزال عالمنا التجاري المترابط يثير أعجابنا، ولكن ينبغي ألا نستخدمه بوصفه الصفة الوحيدة للعولمة، فماذا عن السفر الجماعي؟ فقد سجلت صناعة السفر الجوي أكثر من مليار مسافر دولي قبل الوباء، وذلك وفقا للاتحاد الدولي للسفر الجوي (أي اى تي أي)  وعدنا الآن إلى حوالي 75 في المائة من ذروة ما قبل الوباء، وتسير شركات الطيران على الطريق الصحيح لتحقيق أرباح مرة أخرى في عام 2023، ومن الصعب احتواء حب السفر العالمي.

أما بالنسبة للهجرة العالمية، فقد شهدنا ارتفاعا مطردا في الأعداد على مدى العقود القليلة الماضية، حيث وصلت إلى حوالي 281 مليون شخص مصنفين كمهاجرين دوليين في جميع أنحاء العالم، وذلك وفقا للمنظمة الدولية للهجرة (أي أم أو)، وفي حين أن ذلك لا يزال نسبة متواضعة من سكان العالم، فإن حقيقة الأمر هي أن الهجرة قد برزت كخيار رئيسي نحو الحراك التصاعدي في أجزاء كثيرة من العالم النامي.

وبالنسبة لتدفقات رأس المال العالمية، فإنها لا تزال مرنة وقوية، وذلك وفقا لبحث أجراه معهد بروكينغز. وتشمل هذه التدفقات كل شيء من مشتريات سوق الأوراق المالية العامة إلى إصدار الديون الدولية إلى الاستثمار الأجنبي المباشر، ونستطيع اليوم، من خلال نقرة إصبع، شراء أسهم في كل شيء من منجم نحاس في تشيلي إلى مصنع سيارات كهربائية في الصين. وتتجاوز أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم الآن 100 تريليون دولار في القيمة السوقية.

وسرد العديد من المعلقين الغربيين وقادة الصناعة قصص “العولمة تحتضر”،  ورؤيتهم قصيرة النظر، فكل ما عليهم فعله هو النظر حولهم، حيث تستفيد سوق الأوراق المالية الأمريكية، وهي الأكبر والأكثر نشاطا في العالم، من المستثمرين الأجانب لتصل قيمتها إلى حوالي 13.7 تريليون دولار من حيازات الأسهم الأمريكية، وتمثل هذه الحيازات الأجنبية ما يقرب من 30 في المائة من إجمالي القيمة السوقية لسوق الأسهم الأمريكية.

وعلاوة على ذلك، تقدر إدارة التجارة الدولية الأمريكية أن حوالي 9 ملايين وظيفة تدعمها الصادرات الأمريكية، وفي الوقت نفسه، تشير وزارة التجارة الأمريكية إلى أن 16 مليون وظيفة أي  10 في المائة من إجمالي العمالة في الولايات المتحدة  “تعزى بشكل أو بآخر إلى الاستثمار الأجنبي المباشر” ويعني ذلك أن  25 مليون وظيفة في الولايات المتحدة هي بسبب العولمة.

أما بالنسبة لبقية العالم، فلم تصلهم أخبار “العولمة تحتضر”، إن الحكومات والشعوب في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وهي  اقاليم  لـ 75 في المئة من سكان العالم – مشغولون بعقد صفقات تجارية من شأنها تغذية المستقبل. ويمثل اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية رؤية طموحة للتجارة على نطاق القارة، بينما لا تزال هناك العديد من المطبات في الطريق، فإنها تضع علامة مهمة، وفي الوقت نفسه، تجمع الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (أر سي أي بي)، وهي اتفاقية تجارية متعددة الأطراف على مستوى آسيا في الغالب، 15 دولة تمثل حوالي 31 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وتستفيد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الجغرافيا الاستراتيجية كمفترق طرق للتدفقات التجارية بين الشرق والغرب، في حين تعمل أيضا كمصدر رئيسي للطاقة العالمية ورأس المال الذي يدعم العولمة، وأبرمت الإمارات العربية المتحدة صفقات تجارية ثنائية جديدة مع الهند وإسرائيل وإندونيسيا، وتقع الإمارات، في مفترق طريق العولمة، سواء كمتلقي لتدفقاتها من السلع والمسافرين ورأس المال والخدمات، فضلا عن لعبها لدور المستثمر والتاجر والممكن للاتصال من خلال مراكز الطيران والشحن الخاصة بها.

ولكي تحقق مصر إمكاناتها الحقيقية، ستحتاج إلى الاستفادة بشكل أفضل من موقعها الجغرافي الذي تحسد عليه حيث تقع ما بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، واستفادت المملكة العربية السعودية أخيرا من إمكاناتها الجيواقتصادية من خلال سلسلة من الإصلاحات التي تربط المملكة بالعالم بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل بضع سنوات، والأمر ببساطة أن البلدان التي تمهد الطريق للتواصل سوف تنجح، والبلدان التي لا تقوم بذلك سوف تتخلف عن الركب.

وفي النهاية، أظهر الوباء أنه حتى أكبر الصدمات قوة لأنظمتنا لا يمكن أن توهن من عزيمة مسيرة العولمة.

  

أفشين مولافي هو زميل فخري في معهد السياسة الخارجية في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ومحرر ومؤسس النشرة الإخبارية للعالم الناشئ.

 تويتر: @AfshinMolavi