الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي لا يستهدف إيران فقط… بل يستهدف تركيا أيضًا

هنري جي باركي

AFP photo: Menahem Kahana

الانطباع الأول لاتفاق التطبيع الإسرائيلي – الإماراتي يشير إلى نجاح الإسرائيليين في اختراق عقبة رمزية عبر إقامة علاقات مع دولة عربية لا تشترك في الحدود مع إسرائيل – وذلك بعد انضمام البحرين إلى قائمة التطبيع مؤخرًا، وبالنسبة للإماراتيين فقد أثبت الاتفاق أنهم يستطيعون تحقيق ما عجزت عن تحقيقه مُعظم الدول: وقف خطط الضم الخاصة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية، وكما أشارت الأنباء المتلاحقة، الحصول على أكثر المعدات العسكرية الأمريكية تطورًا بما فيها مقاتلات F-35، وقد نجحت أبو ظبي أيضًا في تقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة بغضّ النظر عن الفائز في الانتخابات الأمريكية القادمة.

لكن هل وقف الأمر عند هذا الحد؟، إن المقال الذي بين يديك يشير إلى أن هناك المزيد من تبعات تلك الاتفاقية التي لم تظهر للعيان بصورة مباشرة.

شعر كل من إسرائيل والإمارات بالفزع من انفتاح الرئيس باراك أوباما على إيران خاصة بعد التوقيع على الاتفاق النووي، ومن وجهة النظر الإسرائيلية الإماراتية المشتركة فإن النظام في إيران ليس من النوع الذي يمكن أن يفي بتعهداته في المستقبل، علاوة على ذلك فإن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا لكل من تل أبيب وأبو ظبي، وبمعنى آخر فإن خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) ربما أدّت دون قصد إلى التقارب بين الإمارات وإسرائيل، مما فتح الباب ليس فقط أمام القلق المشترك الذي بات يعتري الدولتين، لكنه أدّى أيضًا إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والعسكرية ذات الصلة بين الدولتين.

أما الولايات المتحدة فقد أعلنت منذ فترة حكم أوباما أنها ترغب في تقليص الالتزامات العسكرية الخاصة بها على مستوى العالم، وهذا يشمل بالطبع منطقة الشرق الأوسط، وقد ظهرت تلك الرسالة بشكل واضح في عهد إدارة ترامب، وبات الخطاب الأمريكي يشدد على “وضع حد للحروب التي لا تنتهي”، فضلًا عن رفض واشنطن معاقبة الإيرانيين على الهجمات التي تمت في سبتمبر من العام 2019 واستهدفت الأراضي السعودية، مما أدّى سواء بقصد أو دون قصد إلى اهتزاز الثقة في التزام واشنطن تجاههم على المدى الطويل، وبالطبع لم يكن من المفاجئ أن تكون إيران من أولى الدول التي وجّهت انتقادات شديدة للاتفاق الإسرائيلي الإماراتي، ووصفت أبو ظبي بأنها خائنة للقضية الفلسطينية.

وهناك لاعبًا رئيسيًا ربما ساهم في التعاون بين تل أبيب وأبو ظبي: تركيا، والواقع أن كل من إسرائيل والإمارات لديهما مشكلات مع أنقرة، ولم يخفي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نيته في تولّي قيادة المنطقة – ويقول البعض أنه يريد قيادة العالم الإسلامي.

وقد أثبتت تركيا بشكل متزايد عبر خطابها وأفعالها نيتها في تعديل سياستها، كما أن أردوغان يشعر بحساسية شديدة تجاه إقامة علاقات دبلوماسية بين الإمارات وإسرائيل؛ حيث أشار إلى أن هذا الأمر سيدفع أنقرة إلى مراجعة علاقاتها مع تل أبيب، ومن المثير للسخرية أن هناك علاقات دبلوماسية رسمية بين تركيا وإسرائيل منذ العام 1949.

وقد حدث الصدام بين الإمارات وتركيا في المقام الأول بسبب دعم أردوغان للإخوان المسلمين، ليس في مصر فقط، بل في قطر أيضًا؛ حيث فرضت الإمارات والسعودية حصار على قطر لمعاقبة العائلة المالكة القطرية على دعمها للإخوان المسلمين، وفي الوقت ذاته فقد ظهر الأتراك بوصفهم الداعم الأوحد والأهم للدوحة عبر تقديم المساعدات السياسية والعسكرية الضرورية.

وقد امتد النزاع بين تركيا والإمارات ليصل إلى ليبيا، حيث يقوم كل طرف منهما بتقديم الدعم العسكري لفصائل مختلفة خلال الحرب الأهلية الليبية، وقد أدركت أبو ظبي الأنشطة التركية ونية أنقرة أيضًا في إقامة قواعد عسكرية على الأراضي الليبية، وتعُد كل من الصومال والسودان شاهدين على أن أنقرة لا تتدخّل فقط في النزاعات العربية الداخلية، وإنما باتت على استعداد لتطويق الدول العربية.

والواقع أن الكراهية باتت مشتركة، وحينما تم توجيه سؤال لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو حول الإمارات أجاب بأنه “إذا ما كان السؤال يتمحور حول من يعمل على زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى في المنطقة حينها ستكون الإجابة بلا تردد: أبو ظبي”.

وهناك صدام أيضًا بين الإسرائيليين والأتراك، وعلى الرغم من العلاقات التجارية القوية، هناك مجموعة من النزاعات بين أنقرة والقدس (إسرائيل) بسبب الدعم التركي اللامتناهي لحركة حماس والاضطرابات التي تشهدها منطقة شرق البحر المتوسط؛ حيث السياسة التركية العدوانية وتهديد سيادة ومصالح اليونان وقبرص الاقتصادية البحرية، وقد أظهرت تركيا انتقادًا بل وصدامًا مع الشراكة بين مصر وقبرص واليونان وإسرائيل التي تهدف إلى تصدير الغاز المُستخرج من الحقول البحرية لتلك الدول إلى أوروبا، وتشارك الإمارات أيضًا في تلك الجهود.

وإذا كان الإسرائيليين على حذر من نوايا أنقرة في الماضي؛ فإن مقطع الفيديو الذي صدر مؤخرًا عن وزارة المعلومات التركية ومدته 4 دقائق سيزيد الأمر سوءًا، فهذا المقطع يعمل على تمجيد الفتوحات العسكرية التركية التي بدأت خلال حكم العثمانيين وانتهت بوعود تحرير ثالث أكثر المقدسات الإسلامية أهمية: المسجد الأقصى الذي يقع في مدينة القدس.

ويمكن أيضًا تفسير الأنشطة التركية من منظور غياب واشنطن عن الساحة، وقد انتقد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون تلك التطورات في معرض تبريره لقرار “وقف سياسة المراجعة التركية”، وعلى الرغم من أن مقاومة تركيا ليست السبب الرئيسي وراء التقارب الإسرائيلي الإماراتي إلا أن أنقرة ليست بعيدة عن حسابات هذا التقارب.

هنري جي باركي هو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي، وهو مساعد كبير الباحثين لدراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، وقد تقلّد العديد من المناصب، فقد خدم سابقًا كعضو ضمن موظفي تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، وعمل بشكل أساسي في القضايا التي تخص الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط والمخابرات.