ملفات تويتر وفلسطين وقضية التحيز

جوزيف دانا

Image courtesy of Olivier Douliery / AFP

يريد إيلون ماسك منا التصديق أن تويتر له ارتباط وثيق بحياتنا خارج الحدود الضيقة لوسائل التواصل الاجتماعي، ومنذ أن أكمل الملياردير استحواذه على الشركة كمالك ومدير تنفيذي، مر أسبوعان صعبان على تويتر، حيث انخفضت إيرادات الإعلانات (ولكن ربما في طريقها للاستقرار) وحدد ماسك رؤيته الجريئة “لحرية التعبير القصوى” للشركة. وقد انتقل المستخدمين البارزين إلى منصات وسائط اجتماعية أخرى.

في محاولة يائسة لتذكير الجمهور بفائدة تويتر، فتح ماسك الأرشيفات الداخلية للشركة لبعض الصحفيين، وتظهر تلك المواد، التي تم إصدارها باسم ” ملفات تويتر” ما يدعيه ماسك أنه رقابة مستهدفة على الحسابات المحافظة البارزة وقمع القصص السياسية الرئيسية مثل قصة الحاسوب المحمول لـ “هنتر بايدن” وفي حين أن المعلومات هي بلا شك عبارة عن اختلاس للنظر من وراء الستار من قبل تويتر، فإن كيفية نشر الملفات (ومن قبل من) تثير أسئلة أكثر خطورة من المخالفات نفسها.

ولا يعتبر تويتر أكبر منصة شعبية للتواصل الاجتماعي على الصعيد العالمي، لكنه مؤثر بشكل كبير، وذلك بسبب عدد الصحفيين الذين يستخدمونه لنشر الأخبار المهمة، وادعت الأصوات المحافظة في الولايات المتحدة لسنوات أن تويتر كان يحظر محتواها ويقمع وجهات نظرها عمدا، وزعموا أن ذلك كان بسبب سيطرة الليبراليين المقربين من الحزب الديمقراطي على الشركة، وتظهر ملفات تويتر أنه تم اتخاذ إجراءات متعمدة لتكميم بعض الحسابات المحافظة، كما تظهر الملفات أيضا أنه كانت هناك مناقشات رفيعة المستوى للحد من انتشار قصة الحاسوب المحمول لـ هانتر بايدن قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020.

وكانت شركة تويتر مطروحة للتداول العام عندما تم اتخاذ تلك التدابير، وبالتالي فإن حماية حرية التعبير مثل التعديل الأول لم يسر على المنصة، وإذا قررت الشركة أن محتوى معينا ينتهك شروط الخدمة الخاصة بها، فلها مطلق الحرية في إزالته أو حظر الحسابات المسؤولة عن المحتوى. إنها ليست قضية التعديل الأول، فالشركة حرة أيضا في حظر أو قمع أي حساب ترغب فيه. وحقيقة أن مجتمعنا أعطى أهمية كبيرة للمنصة يعكس صورة علاقتنا مع شركات التكنولوجيا الخاصة أكثر من اهتمامنا بصحة حرية التعبير في أمريكا.

ومع ذلك، من الجيد أن نلقي نظرة تحليلية أعمق حول كيف قام تويتر بالتعامل مع قرارات المحتوى، وهناك نقاش دائر مشابه في شركات التكنولوجيا الكبرى الأخرى مثل فيسبوك وأبل وجوجل، وتنحصر قصة تويتر في كيفية اختيار إليون ماسك نشرها.

وتم منح اثنين من الصحفيين وهما “مات تابي” و”باري فايس” جولة غير مسبوقة في أنظمة تويتر الداخلية، وبحسب ما ورد تم منح كلا الصحفيين أجهزة كمبيوتر محمولة تابعة للشركة، والوصول إلى التحكم الداخلي لتويتر، وحتى الوصول إلى أنظمة الواجهة الخلفية لتويتر. وحقيقة أن ماسك اختار فايس كواحدة من الصحفيين لنشر قصة عن الرقابة أمر مثير للسخرية بشكل كبير، بسبب تاريخها المثير للجدل.

قبل أن تصبح محررة وكاتبة رأي في منشورات مثل وول ستريت جورنال وتابلت ونيويورك تايمز، كانت فايس منسقة طلابية مؤيدة لإسرائيل في جامعة كولومبيا وعملت بلا كلل لقمع الحرية الأكاديمية للباحثين الفلسطينيين والعرب. وعندما تم تعيينها ككاتبة رأي في صحيفة نيويورك تايمز، كتبت الصحفية غلين غرينوالد أن “حياتها المهنية القصيرة نسبيا ككاتبة وناشطة كرست بشكل كبير لقضية واحدة وهي الدفاع عن الحكومة الإسرائيلية وشن حملات تشويه ضد منتقديها، وغالبا ما تستهدف المسلمين أو العرب في سياق سياسة الحرم الجامعي”. كان وصولها للشهرة كناشطة بفضل الحملة التي اطلقتها لحرمان البروفيسور جوزيف مسعد من منصبه في جامعة كولومبيا بسبب آرائه حول إسرائيل ولكن لم تكلل تلك الحملة بالنجاح.

وغادرت فايس صحيفة التايمز في نهاية المطاف، ونددت بما وصفته بأنه عدم تسامح يساري متزايد ضد المعارضة، وبدأت مؤخرا منصتها الإعلامية الخاصة وركزت على الخطاب السياسي المناهض “للووك – أو اليسار السياسي المتطرف” والذي غالبا ما يتطرق إلى الموضوعات المفضلة لليمين السياسي المتطرف. ولا عجب أنه تم اختيارها لفحص ملفات تويتر، بسبب تبني إيلون ماسك لوجهات نظر مماثلة. ومع ذلك، فمن السخف أن يكون شخص لديه سجل موثق في قمع الأصوات الفلسطينية بطلا لحرية التعبير، ويثير سجلها الطويل من عدم التسامح مع المعارضة الفلسطينية أسئلة لا مفر منها حول قدرتها على الدفاع عن حرية التعبير، ولا ينبغي لنا أن نأخذ على محمل الجد الصحفيين الذين يدافعون بشكل انتقائي عن حرية التعبير، فأنت إما مع حرية التعبير أو ضدها، إن تصرفات فايس على مدى العقدين الماضيين تشير إلى أنها ضد حرية التعبير، بغض النظر عن مدى كرهها لليبراليين اليساريين.

وطرح الصحفيون الآن أسئلة على ماسك وفايس حول امتلاكها حق استكشاف الرسائل المباشرة لمستخدمي تويتر، وقد شاركت عدة لقطات شاشة لأنظمة تويتر الداخلية التي أشارت إلى أن لديها إمكانية الوصول إلى الرسائل المباشرة. إذا كان هذا هو الحال، فإن الناشطين الفلسطينيين الذين استخدموا تلك الوظيفة لهم الحق في الخوف، ولم تجب فايس وماسك على أسئلة حول مدى حرية الوصول إلى المعلومات حتى وقت كتابة هذا التقرير.

والنقطة العمياء التي لا مفر منها في قضية تويتر هي كيف تتجاهل المنصة النشطاء الفلسطينيين واليساريين المناهضين للحرب الذين يتم حظرهم من على المنصة لفترة أطول بكثير من الأصوات المحافظة. ويريد ماسك أن يعتقد الجمهور أن قيادة تويتر المتعصبة لليسار الساسي تستهدف المحافظين، وهذه هي القصة بأكملها. ولكن ذلك غير صحيح، حيث وثق الفلسطينيون مقص الرقيب المفروض عليهم على منصات التواصل الاجتماعي منذ أن برزت تلك المنصات قبل ما يقرب من عقدين من الزمن، وبينما يحب ماسك استخدام تسريبات تويتر لإظهار مستوى تطرف اليسار السياسي في أمريكا، فقد ورد أنه طالب الموظفين بالتوقيع على اتفاقيات عدم إفشاء جديدة قائلين إنهم لن يسربوا أي شيء تفعله الشركة الآن.

ومرة أخرى، يمثل الفلسطينيون النقطة العمياء في النقاش العالمي الساخن حول مقص الرقيب، من خلال اختيار فايس كواحدة من مبعوثي العلامة التجارية الجديدة لحرية التعبير القصوى على تويتر، يُظهر ماسك أنه ليس جادا حقا بشأن حرية التعبير، والأمر كله متعلق بالسلطة وتشكيل النقاش السياسي بالطريقة التي يراها هو مناسبة.

 

جوزيف دانا هو كبير المحررين السابقين في إكسبونانشال فيو، وهي جريدة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. كما شغل منصب رئيس تحرير إميرج 85، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.

 تويتر: @ibnezra