خطة ترامب للسلام: هل تقود إلى السلام، أم مزيد من العنف؟

الين ليبسون

AFP photo: Menahem Kahana

إنه من الممكن التنبؤ بردود الفعل الأولية على إطلاق الرئيس ترامب خطته “السلام من أجل الرخاء”: وهي رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي”. واحتفل الإسرائيليون المحافظون ومن على شاكلتهم من اليهود الأمريكيون، والإنجيليون الأمريكيون، ومؤيدو ترامب جميعًا بالاعتراف رسميًا بوجهة نظر كل من ترامب ونتنياهو عن مستقبل المنطقة، واضعين المصالح الأمنية الإسرائيلية فوق أي اعتبار.

واشتكى الفلسطينيون الغاضبون من عدم تمثيلهم في تلك العملية، وأن حلفاء أمريكا في حلف شمال الأطلسي وشركائها العرب التزموا الصمت، وحاولوا جاهدين في العثور على كلمات لا تثير غضب ترامب أو تقوض المواقف القائمة منذ زمن طويل بشأن السلام العربي الإسرائيلي.

لقد عبر معسكر السلام، القانط بالفعل عبر سنوات من الخنوع، عن استيائه الكبير. وفي عناوينها الرئيسية، وصفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الخطة بأنها “سخيفة وخطيرة وأحادية الجانب”. وتشعر الجماعات الأمريكية الليبرالية المؤيدة لإسرائيل والمؤيدة للسلام بالقلق إزاء أي خطة من شأنها أن تؤدي على الأرجح إلى الصراع أكثر منه إلى السلام، والدبلوماسيون الذين قضوا حياتهم المهنية بأكملها في هذه القضية يائسين من فقدان المصداقية في الجهود الأمريكية والدولية المبذولة بعناية لإيجاد حل عادل ومنصف.

إن منهج ترامب يثقل كاهل المصالح الأمنية الإسرائيلية من خلال السماح بضم المستوطنات الإسرائيلية ومنطقة غور الأردن إلى إسرائيل، ومن المتوقع أن ينفذ “نتنياهو” هذا القرار على الفور، مما يؤثر على الأساس القانوني الدولي لمفاوضات السلام. ولن تنال الدولة الفلسطينية المزعومة الاعتراف إلا إذا استوفى الفلسطينيون الشروط الموضوعة والمتمثلة في الحكم الليبرالي الحديث، وتتألف الدولة الفلسطينية من أجزاء من الأراضي الفلسطينية المتجاورة عن طريق الجسور والأنفاق، ولتفادي اتصال أي مجتمعات إسرائيلية داخل الأراضي – التي يفترض أنها منذ فترة طويلة محل مناقشة فيما يتعلق بالتسوية الإقليمية- بأي دولة فلسطينية مستقلة.

وينظر البريطانيون إلى هذا الموضوع نظرة خاصة. حيث يسترجعون ما حدث عندما صدر وعد “بلفور” في عام 1917 في ظل الانتداب البريطاني، إلى جانب تقديم وعود متناقضة إلى الزعماء العرب. وكان هذا الخروج البريطاني المفاجئ من فلسطين في عام 1947 هو الذي دفع الأمم المتحدة إلى الموافقة على حل الدولتين، وعندما اعترض العرب على ذلك، اندلعت أول الحروب العربية الإسرائيلية. لذلك كان من المؤلم سماع أن المسؤولين البريطانيين الحاليين والسابقين يبحثون عن شيءٍ لقوله، دون التنصل تمامًا لعقود من الدبلوماسية التي انتهجتها كل من المملكة المتحدة والأمم المتحدة: وقال وزير الخارجية البريطاني “دومينيك راب”: “نحن نشجعهما (يقصد الإسرائيليين والفلسطينيين) للتفكير في تلك الخطط تفكيرًا حقيقيًا وعادلاً، واستكشاف ما إذا كانت تلك الخطط الخطوة الأولى نحو العودة إلى طريق المفاوضات. وحاول رئيس الوزراء السابق ومبعوث الأمم المتحدة للسلام طوني بلير أن يؤكد للفلسطينيين أن إدارة ترامب ستأخذ تلك الخطط على محمل الجد إذا ما شاركوا فيها.

وبقدر ما تصف إدارة ترامب الخطة بأنها نهج جديد وأكثر استدامة لتحقيق السلام، يرى المستشرق الأمريكي من أصل إسرائيلي “مارتن كرامر” أن خطة ترامب تأخذ نمط المبادرات التي تنطلق منذ عام 1947 والتي تقدم المزيد إلى إسرائيل، ويرفضها الجانب العربي باستمرار. ولكن “مارتن” يوضح أن هذه الخطة تختلف في أمر ما هام: وهو أنها لا تتمتع بشرعية المجتمع الدولي، سواء بشكل رسمي من خلال عملية الأمم المتحدة، أو من خلال فرق دعم السلام المكونة حديثًا..

يشير آخرون إلى التباين بين النجاح السياسي المبكر لإسرائيل، رغم التأخر في إيجاد حل سياسي مرضي للفلسطينيين، وشرط استيفاء معايير معينة. وترتكز الخطة على قبول الفلسطينيين رؤية تلك الخطة حول إرضاء الفلسطينيين اقتصاديًا بصورة أكبر، من خلال الاستثمارات وخلق فرص العمل، وإنشاء وسائل أفضل للتجارة والتنمية على المستوى الإقليمي، بدلاً من تأييد حق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة. غير أن المبلغ المستهدف في هذه الخطة وهو “50 مليار دولار أمريكي” غير منطقي، وأمضى صهر الرئيس الأمريكي “جاريد كوشنر” شهورًا عديدة لإقناع كبار رجال الأعمال، والأثرياء الخليجيين بتقديم الدعم المالي، بدون وجود أي دليل يؤكد على التزاماتهم.

وفي الواقع، كانت الخطة مبنية على منطق “سطحي”، وهو أن الدول العربية الأكثر أهمية ستربط نفسها بالخطة، وتقنع الفلسطينيين بضرورة قبول هذا العرض المنقص لحقهم، مقارنة بالصيغة “العادلة والمنصفة” في الماضي. كما أن تضامن الدول العربية الغنية أو تعاطفها مع المجتمع الفلسطيني أمر مستبعد، ولا يوجد ما يشير إلى أن الدول العربية الكبرى يمكنها أن تدفع بالخطة إلى الأمام، أو حتى تستجمع حماس الفلسطينيين نحو أي تطلعات. وبطبيعة الحال، فإن الخلل السياسي الفلسطيني، وتطرف سياستها من خلال ظهور “حركة حماس” كقوة موازنة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية القديمة، يتحملان بنفس القدر مسؤولية غياب الوحدة العربية.

ويحتوي التقرير المكون من 181 صفحة على قوائم طويلة عشوائية من الجمل والعبارات القصيرة عن مشاكل المنطقة. وفي تلك القوائم يبين لنا “كوشنر” وفريقه أنهم استمعوا بعناية إلى وجهات نظر متنوعة. لكن افتخارهم بالتخلي عن قواعد اللعبة القديمة المتمثلة في حزمة الوعود الاقتصادية للفلسطينيين بدلاً من مبادرة دبلوماسية جديدة، أمرًا في غير محله، ويستعد الكثيرون لموجة جديدة من العنف.

إلين لايبسون، النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، وتشغل حاليًا منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ماسون في فرجينيا. وشغلت سابقًا منصب الرئيس والمدير التنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبلها، قضت “لايسون” ربع قرن كموظفة حكومية.