إدارة ترامب في حاجة إلى استراتيجية مضادة للتطرف في الشرق الأوسط

ياسمين الجمال

خلال فترته كمرشح للرئاسة، قضى دونالد ترامب أشهراً عدة من حملته في مهاجمة أنشطة من وصفهم بـ”المتطرفين الإسلاميين الراديكاليين”. وقد تعهد بإعطاء الأولوية لمحاربتهم في حال فاز في الانتخابات، كما وعد بوضع حد للمقاربة التي وصفها بالناعمة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب في عهد إدارة أوباما. وبعد سنة من تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة، لم تظهر حتى الآن معالم سياسة أمريكية لمحاربة التطرف العنيف على نطاق واسع، بل طغت المقاربة العسكرية على السياسة المضادة للإرهاب مع التركيز على تنظيم “داعش”.

غير أن هذه المقاربة تؤدي إلى نتائج عكسية. فبدون خارطة طريق واضحة بشأن كيفية محاربة التطرف عبر سياسة شاملة تتطرق إلى محركات الراديكالية التي ساعدت على ظهور “داعش”، ستجد الولايات المتحدة نفسها تحارب نسخة جديدة من “داعش” في المستقبل القريب. لذلك يتوجب على إدارة ترامب أن تشدد على أن نهاية العمليات العسكرية الكبرى ضد “داعش” لا تعني هزيمة التنظيم بشكل نهائي، بل يجب أن تكون إشارة انطلاق جهود متواصلة لاجتثاث الراديكالية من جذورها.

وفي حين أن الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش” في معاقله في الرقة والموصل قد أعطت أكلها، فإن الثمن الذي دفعه المواطنون في سوريا والعراق كان غالياً لدرجة مأساوية. حيث أبادت الغارات الجوية التي شنتها قوات التحالف كلتا المدينتين؛ فوفقاً لتقديرات التحالف الذي تقوده الولايات الأمريكية، قُتل ما لا يقل عن 801 من المدنيين عن غير قصد خلال عملية “العزم الصلب”، فيما تظل 695 قضية أخرى خاضعة للتحقيقات. وفي تقديرات أقل تحفظاً، تشير تقارير “مجموعة متابعة الحروب الجوية” (Airwars monitoring group) إلى أن ما لا يقل عن 6047 مدني في سوريا والعراق قد قتلوا خلال العمليات العسكرية. وقد نزحت مجتمعات بأكملها، ربما بصورة دائمة، فيما تفيد التقارير بأنه تم السماح للمئات من مقاتلي “داعش” وعائلاتهم بمغادرة الرقة سالمين.

إن هذا الدمار المادي الذي ستتحمل الولايات المتحدة لا محالة جزءاً من مسؤولية إصلاحه، قد وقع في ظل سياسة شرق أوسطية يطغى عليها الطابع العسكري بشكل مكثف في عهد ترامب، تخللتها مضاعفة الولايات المتحدة لتحالفاتها مع الحكومات السنية في مختلف أرجاء المنطقة، وذلك في معظم الأحيان على حساب الركيزتين الأخريين للسياسة الخارجية الأمريكية: الدبلوماسية والتنمية. ويكفي النظر إلى تقليص ميزانية وعدد موظفي وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لفهم أولويات الإدارة الحالية.

لكن في ظل استمرار الهجمات الإرهابية سواء الجماعية أو الفردية بلا هوادة في مختلف أنحاء المنطقة وخارجها – ورغم النجاح العسكري الذي حققته حملة التحالف الدولي لمحاربة “داعش” – يتضح أن التطرف العنيف الأيديولوجي والقائم على التظلمات لم ولن يتم حله عن طريق التكتيكات الإكراهية أو القوة العسكرية وحدها.

لقد أصبح من الواضح أن هذه المعركة ليست تقليدية على الإطلاق، وإنما هي معركة يجب أن تشمل حواراً صادقاً حول الأسباب الأساسية للراديكالية، بما في ذلك الهوية والأيديولوجية والتظلمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويجب أن يشرك هذا الحوار عناصر مختلفة من المجتمعات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، بدلا من أن يأتي في شكل توجيهات هرمية من الحكومات. كما يجب على هذه الاستراتيجية أن تأخذ بعين الاعتبار التظلمات المحلية الموجودة في كل بلد.

ومن أجل منع تنظيم “داعش” وغيره من المنظمات الإرهابية من الاستمرار في التكاثر في المنطقة، وحرمان هذه المنظمات من المجندين الذين تحتاجهم بشدة، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها المحليين أن يأخذوا بعين الاعتبار المبادئ التالية وإدماجها في استراتيجية شاملة لمحاربة الراديكالية والتطرف العنيف، وذلك إلى جانب الجهود العسكرية لمحاربة الإرهاب التي تبذلها حالياً.

أولاً، هناك حاجة ماسة لمعالجة الأسباب الأساسية للإرهاب، حيث إن الضغوط الاقتصادية وضعف التعليم وارتفاع مستويات البطالة والقمع السياسي ما هي إلا غيض من فيض المشاكل التي يجب على أي استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف أن تتعامل معها، وذلك بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني والقادة المجتمعيين ذوي المصداقية. ويمكن لهذا الاستثمار في المجتمعات والشعوب أن يقلص الحاجة للحملات العسكرية الموسعة والمكلفة في المستقبل، الأمر الذي قد يوفر موارد ثمينة يمكن إعادة استغلالها في الاقتصادات المحلية، كما قد يساعد على تقليص تدخل الولايات المتحدة في المنطقة.

ثانياً، إنه لمن المهم محاربة خطاب “نحن في مواجهة الآخرين” ؛ فقد تخلفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون عن المتطرفين في “معركة الخطابات” بجميع المقاييس، بل والأسوأ من ذلك، هم مهددون بترسيخ مختلف الخطابات المتطرفة من خلال نظرتهم إلى العالم من خلال عدسة يغلب عليها الطابع العسكري المفرط والطائفي في غالب الأحيان. لذلك يجب على القادة الأمريكيين والإقليميين استعمال خطابات إيجابية وغير طائفية مصحوبة ببرامج شاملة داخل المجتمعات المحلية.

وأخيراً، يجب أن تتضافر الجهود لمحاربة التناقض بين الكلام والأفعال، أو كما يقال في الأوساط السياساتية، تقليص الفجوة بين “القول والفعل”. لكن للأسف، لا يمكن لتغيير الخطابات وحده الوقوف في وجه امتداد الراديكالية، كما لا يمكنه عكس مسار قد أدى بالفعل إلى التطرف العنيف. فمن أهم النقاط التي يلجأ لها أي مُجنِّد إرهابي لإقناع الأفراد باتباعه هي الإشارة إلى نفاق الولايات المتحدة وحلفائها المحليين، وغياب شفافيتهم. ولهذه الغاية، من الضروري بذل جهود حاسمة تُطابِق بين الرسالة والحقائق الميدانية.

ونظراً للتجسدات المتعددة للمنظمات الإرهابية، سيكون افتراض الولايات المتحدة وحلفاؤها المحليون أن انسحاب “داعش” من العراق وسوريا هو مؤشر على نهاية التهديد الإرهابي مجازفة تدل على قصر النظر. إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها راغبين في تفادي نسخة أخرى من عملية “العزم الصلب” في المستقبل، فهم بحاجة لاستراتيجية لمكافحة الأسباب الأساسية للراديكالية، ومن المؤكد أن أي تأخيرات إضافية ستؤدي إلى تحقق السيناريوهات التي يحاولون تفاديها.

ياسمين الجمال زميلة أولى غير مقيمة في “المجلس الأطلسي”، حيث تركز أساساً على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والتطرف العنيف. وقد عملت ياسمين الجمال بين سنتي 2008 و2015 كمستشار بخصوص سياسة الشرق الأوسط ومساعِدة خاصة في شؤون الأمن القومي في وزارة الدفاع الأمريكية.

AFP PHOTO / Mahmoud ZAYYAT