الكوارث الثلاث التي حدّدت تَرِكة كوفي عنان

فيصل اليافعي

في غضون ثلاث سنوات منذ أن أصبح كوفي عنان رئيساً لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ حدثت جريمتان من أسوأ الجرائم في القرن العشرين، وقد حدثت الجريمتان تحت سمع وبصر كوفي عنان، ففي العام 1994 حدثت مذبحة في رواندا أسفرت عن مقتل 800 ألف شخص مُعظمهم من أقلية التوتسي خلال 100 يوم فقط، وقد حدثت هذه المذبحة بالرغم من وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على الأرض، وبعدها بعام، وفي قارة مختلفة، تم ذبح ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة في مدينة سربرنيتشا، وأيضاً خلال تلك المذبحة كانت هناك قوات تابعة للأمم المتحدة موجودة على الأرض.
هاتان الكارثتان كان لهما أثراً على طريقة تفكير كوفي عنان، وعلى مدار السنوات العشر التالية سعى كوفي عنان إلى إعادة تشكيل طريقة تفاعُل الأمم مع بعضها البعض، وإخضاع تلك الأمم للقانون الدولي، وقد قاد ذلك عنان إلى تحقيق الإنجاز الأكبر ولكن أيضاً إلى واحدة من أكبر الكوارث التي حلّت بالأمم المتحدة.
والواقع أن تركة عنان مرتبطة بقصة العراق وكيف أنه كانت هناك عقيدة تعمل بعزم على كبح جماح القوة المُفترض دعمها وإعطاء الطرف الأقوى ذرائع لشن الحرب.
والواقع أن الفشل في منع المذبحة الرواندية التي وقعت في العام 1994 لا يعُد خطأ الأمم المتحدة وحدها، فقد صرح عنان في وقت لاحق أنه تمت مطالبة عشرات الدول بتقديم قوات لكن جميعها رفضت، الا انه لم يكُن من السهل محو العار الناتج عن تلك المواقف.
وقد حاول عنان لبعض الوقت التراجُع عن الفكرة التي تقول بأن فشل الأمم المتحدة هو فشل للمجتمع الدولي، لكن بحلول الذكرى العاشرة للمذبحة الرواندية في العام 2004 اعترف عنان انه مسئول شخصيا لو بشكل جزئي عن تلك الحوادث، حيث قال : “كان لتلك الذكرى المؤلمة بالإضافة إلى ما حدث في البوسنة والهرسك تأثيراً على طريقة تفكيري والكثير من أعمالي كسكرتير عام للأمم المتحدة”.
وكوسيلة للتكفير عن ذنبه او ربما كتمديد للتفويض الخاص بالأمم المتحدة؛ فقد اعلن عنان وبصفته سكرتيراً عاماً للأمم المتحدة عن ان تنفيذ مبدأ “مسئولية الحماية R2P” هو جزء أساسي من مهمته، وقد كان عنان على يقين من أن المجتمع الدولي الذي يصعب تحديد كينونته والذي يستمد قوته من بعض الأمم ، ويعبر عن تلك القوة من خلال بيروقراطية الأمم المتحدة، ويؤمن عنان أن المجتمع الدولي تقع عليه مسئولية التدخُل إذا ما قامت الحكومات بتجاوز حدودها، وإذا ما كانت الحكومات غير قادرة على أو غير راغبة في وقف جرائم الحرب التي تتم على أراضيها فإن المجتمع الدولي يجب عليه أن يفعل ذلك.
وكانت النتيجة النهائية التي ساندها عنان أيضاً هي فكرة وضع حدود للسيادة الوطنية، وتهتم اغلب الدول باحترام سيادتها وتقر بان الدول الأقوى ليس لها الحق في ان تتدخُل في شئون الدول الأضعف، الا انه إذا ما أصبح مبدأ “مسئولية الحماية R2P” واقعاً ملموساً فإن سيادة الدول ستضعف وستصبح تلك الدول خاضعة للمجتمع الدولي.
وفي أواخر التسعينيات من القرن الماضي؛ تم اختبار مبدأ “مسئولية الحماية R2P” وسط الدماء والجثث، وذلك حينما قامت قوات حلف شمال الأطلنطي (ناتو) في العام 1999 بالتدخُل في النزاعات الدموية اليوغوسلافية من أجل وقف المذابح التي يرتكبها الجيش الصربي ضد الألبان من سكان كوسوفو، وقد أثبتت كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وهما العنصرين البارزين في هذا التدخُل أن مبدأ “مسئولية الحماية R2P” من الممكن تطبيقه في العالم الحديث.
والواقع أن ما حدث في كوسوفو لا يعُد انتصاراً لعنان، وقد فشل مجلس الأمن في الموافقة على إصدار قرار بالتدخُل، حيث أن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) لإجهاض مشروع القرار، لذا فقد تم التدخُل برعاية حلف الناتو، حتى أن صورة الطفل الخاصة بمبدأ “مسئولية الحماية R2P” لا تعُد نجاحاً للأمم المتحدة.
وقد مرّت 6 سنوات قبل أن يتبنّى عنان المبدأ الرسمي الخاص بمسئولية الحماية في الأمم المتحدة، وقد كان هذا بمثابة أكبر الإنجازات التي قام عنان بتحقيقها كسكرتير عام للأمم المتحدة، وقد ثبت بعد ذلك بمرور الوقت أن مبدأ “مسئولية الحماية R2P” كان قد تعرّض في الأساس للانهيار، وذلك على يد الحكومتين اللتين ساندتا ذات المبدأ في العام 1999 (واشنطن ولندن).
وبينما كانت الاستعدادات لغزو العراق في العام 2003 تجري سريعاً حدث تعارُض بين فكرتي “مسئولية الحماية” و”وضع حدود لسيادة الدول”، وقد حدث هذا لأن الولايات المتحدة وبينما أعلنت عن مسئوليتها تجاه حماية العراقيين إلا أنها رفضت قرار مجلس الأمن الذي أعلن عدم تأييد الحرب، ومضت واشنطن قدماً في القضاء على السيادة العراقية.
والواقع أن المشكلة لم تكُن تتعلّق بكون صدام حسين كان يعمل على قمع الشعب العراقي، فالرجُل ولا شك كان يمارس القمع، لكن لم يكُن من الواضح إذا ما كان هذا القمع يستوجب تدخُلاً سريعاً، والواقع أن إسقاط سيادة دولة ما يتطلّب أساساً يمكن الاستناد إليه، وبينما قام مبدأ “مسئولية الحماية” بتقديم الخطوط العريضة لهذا الأساس، الا ان الأمر كان يتطلّب أيضاً دليلاً على اندلاع أعمال عنف على نطاق واسع تحت رعاية النظام العراقي، وهذا ما لا يمكن السماح به بأي طريقة أخرى.
والحقيقة أن مبدأ “مسئولية الحماية R2P” والذي تم استخدامه منذ البداية لحماية الأشخاص من الجرائم التي ترتكبها الحكومات، كان قد انتهى به الحال كأداة وذريعة للقوى الكبرى من أجل تحقيق ما تريد.
ومن ثم فقد أدّى الغزو الأمريكي للعراق في القضاء على حالة الإجماع الدولية الخاصة بمبدأ “مسئولية الحماية”، وبمعنى أدق فإن هذا الغزو أجهض محاولات تطوير شكل جديد للعلاقات الدولية مبنياً على القوانين الدولية، وبعد كل هذا؛ فإن لم تستطع الأمم المتحدة مراقبة الدولة الأقوى عسكرياً، فكيف يمكن للأمم المتحدة أن تتوقّع انصياع الحكومات للقوانين الدولية.
وقد استمر الجدال حول مبدأ “مسئولية الحماية”، لكن من الواضح أن الدوافع قد تغيّرت، فبعض القوى الكبرى مثل روسيا سخرت من هذا المبدأ، وباتت تلك الدول تستحضِر هذا المبدأ بطريقة انتقائية لخدمة أهداف السياسة الخارجية الخاصة بها، تماماً كما حدث حين قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم، وهناك دول أخرى مثل الصين يبدوا أنها مصممة على العودة إلى مبدأ سيادة الدول، حتى لا تنتهك الحرمات الخاصة بحدود الدول.
وربما لا يوجد شخص فعل الكثير وعمل بصدق من أجل إيجاد طريقة جديدة لتنظيم العلاقات الدولية مثل كوفي عنان، وقد بقيت تلك جزء من وصيته، وقصة جديدة حول كيف يمكن للسياسة أن تقوم بتحويل تاريخ الأفكار، حيث أن الأفكار التي ساندها عنان من أجل التصدّي لبعض أسوأ الجرائم التي تمت في القرن العشرين تم استخدامها للقيام بأول الكوارث العسكرية في القرن الحادي والعشرين.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل مستمر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و “بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوروبا بالإضافة لآسيا وإفريقيا.

AFP PHOTO/PEDRO UGARTE