الأمير السعودي يلتقي البائع الاميركي

حسين عبد الحسين

في اشارة واضحة الى مدى قوة العلاقات بين بلديهما، التقى الرئيس دونالد ترامب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للمرة الثالثة في غضون سنة، وللمرة الثانية في البيت الابيض. وفيما بدا الامير السعودي حذقا وملتزما نقاط الحوار، بدا الرئيس الاميركي مبعثر الافكار، غير قادر على رؤية العلاقات الاميركية – السعودية خارج اطار ارقام التجارة الثنائية، واصفا تاريخ العلاقة بشكل خاطئ دفع ولي العهد الى تصحيحه. وفي حديثه الى الصحافيين، غطى ترامب ثلاث نقاط: قدّم رقم قيمة مبيعات الاسلحة الاميركية الى السعودية حتى الآن، ثم، على غرار ما يفعل الباعة، توجه الى ولي العهد السعودي بالقول ”هذه بمثابة فستق بالنسبة اليكم“، للدلالة ان تكلفة شراء الاسلحة ضئيلة بالنسبة لثروة السعوديين، وتابع ترامب: ”كان عليكم زيادتها“. هكذا، جعل ترامب العلاقات العسكرية الاستراتيجية بين البلدين تبدو وكأنها عملية بيع فستق، حرفيا.

الانطباع عن اللقاء انه من الآن وصاعدا، دول الخليج العربي هي المولجة تحديد روحية واتجاه علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ترامب كرر أن اميركا وحلفاؤها حرروا ”١٠٠ المئة تقريبا من اراضي داعش“، وان السعودية ساعدت في تجفيف منابع تمويل الارهاب. كما قال الرئيس الاميركي ان أميركا والسعودية ”اصبحتا صديقتين في فترة قصيرة نسبيا من الوقت،“ وهو ما دفع الأمير محمد الى تصحيح ترامب، بالاشارة الى ان عمر العلاقات السعودية الاميركية يبلغ ٨٠ عاما.

خلف الابواب الموصدة، ناقش الزعميان ايران ”بشكل مفصّل“، حسب مصادر البيت الابيض، ووعد ترامب بالانسحاب من الاتفاقية النووية مع ايران. وفيما يواصل المسؤولون الاميركيون لقاءاتهم مع نظرائهم الاوروبيين من اجل ادخال تعديلات ”لاصلاح“ الاتفاقية، تبدو ادارة ترامب متشائمة، مع أمل ضئيل بأن تخرج هذه المحادثات بنتيجة. ومن دون التعديلات المطلوبة، ستنحسب أميركا من الاتفاقية، ما يؤدي الى تمزيقها في مجلس الأمن في الأمم المتحدة.

لاشك ان تأكيد عدم حيازة الايرانيين المقدرة على صناعة سلاح نووي يطمئن الرياض، لكن السعودية تواجه تهديدات اكثر جدية من طهران، اذ ان ايران تعمل على تقويض سيادة حكومات المنطقة، وهي اعطت الميليشيات الموالية لها سلطة وصاية في عواصم عربية مثل بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء.

وفيما يبدو ترامب وكأنه يمضي قدما في مواجهة ايران، تبدو مخططاته الماضية وكأنها تتلاشى.

على خلاف اجتماعيهما الماضيين، في واشنطن في آذار (مارس) وفي الرياض في ايار (مايو)، تغير الكثير في البيت الابيض مع خروج اصحاب الخطاب المتطرف ضد المسلمين، مثل ستيفن بانون ومساعده سباستيان غوركا. منذ ذلك الوقت، يندر ان تطرق ترامب الى خططه ”الأقل تقليدية“ عن كيفية التعامل مع الارهاب الاسلاموي.

كذلك، يبدو ان اندفاعة ترامب على صعيد السلام العربي الاسرائيلي قد تقهقرت، خصوصا مع خسارة صهره موفد السلام جارد كوشنر الاذن المؤقت الذي كان يخوله الاطلاع على اسرار الدولة داخل البيت الابيض. اما خارج واشنطن، وبعد زياراته العديدة الى المنطقة، يبدو ان كوشنر ادرك اخيرا ان اتفاقية السلام العربية الاسرائيلية، المتعذر تحقيقها، هي اكثر تعقيدا بكثير من اصعب عملية بيع وشراء عقارات في منهاتن.

ختاما، خلافا لشهري آذار (مارس) وايار (مايو) الماضيين، اقتربت الحرب على داعش من خاتمتها، فيما تقود دول المنطقة — وفي طليعتها دول الخليج — مرحلة ما بعد داعش، خصوصا بتقديمها المساعدات للعراق، ماليا وديبلوماسيا.

وفي هذا السياق، يبدو ان الرياض وحلفاءها ترى ان الانتصار العسكري على داعش ليس مناسبة للابتعاد عن العراق، كما فعل الرئيس السابق باراك أوباما بتركه البلاد بعد القضاء على تنظيم ”القاعدة في العراق“. عواصم الخليج يبدو انها ادركت ان العمل الشاق يبدأ لحظة توقف الحرب، وان المجموعات السكانية العراقية المفجوعة تحتاج الى دعم، وان بلداتها تتطلب اعادة اعمار، وهو ما يعني ان ترك العراق لمصيره يساهم في تعميق اليأس العراقي، ويفتح الباب للتطرف، ان كان من داعش او من ايران.

هكذا، فيما تخفّض أميركا وجودها في العراق، تقوم دول الخليج بدور اكبر في قيادة هذا البلد الذي مزقته الحرب، وتقوم بقيادة المنطقة بشكل عام، تجاه مستقبل اكثر بحبوحة واستقرارا.

في لقائهما في البيت الابيض، بدا ترامب وكأنه يدير عملية بيع وشراء، يعدّ الدولارات والسنتات التي ستتقاضاها أميركا من صفقات سلاحها مع الرياض، فيما بدا الامير محمد كقائد استراتيجي مع رؤية، ان كان في تعليقه على الاعوام الثمانين من عمر التحالف السعودي – الاميركي، او في اشارته الى قوة العلاقات بين الطرفين في المستقبل المنظور. لقد كان الانطباع الابرز من هذا اللقاء هو ان الدول العربية بدأت ترسم شكل العلاقة التي تريدها مع أميركا، لا العكس.

AFP PHOTO/MANDEL NGAN