النمو الاقتصادي الهندي بين الصعود والفشل

أفشين مولافي

Image courtesy of Indranil Mukherjee / AFP

لفهم اتجاه أي افتصاد، علينا النظر فيما يفعله أصحاب الملايين والمليارديرات، وقد يبدو هذا غير بديهي، فما الذي تعرفه النخب التي تُبحر على متن سفنها عن الاقتصاد الفعلي؟ ولكن حقيقة ما إذا كانت تلك السفن واليخوت (والأموال التي تمثلها) متجهة إلى البحر أو راسية في الميناء تكشف شيئا عن المحصلة النهائية للبلد.

ويسري ذلك بشكل خاص على الهند.

ويجب اعتبار التفاخر والزهو بمستقبل الهند الاقتصادي من قبل أغنى رجال البلاد إشارة مهمة، حيث قام كل من الصناعي الهندي “جوتام أداني” وقطب الاتصالات والتكرير “موكيش أمباني” الشهر الماضي بالحديث عن مستقبل مشرق ينتظر الهند.

وبدأ حديث التفاخر مع ” أداني” الذي قال إنه يتصور نمو الاقتصاد الهندي بما يقرب من 10 أضعاف مقارنة بحجمه الحالي ليصبح اقتصادا بقيمة 30 تريليون دولار بحلول عام 2050. وتخيل أداني نمو الاقتصاد بمقدار تريليون دولار كل 12-18 شهرا على مدى العقد المقبل، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الدافع لإيجاد الطاقات المتجددة “سيكون أحد أكثر الأعمال ربحية وأكبر منشئي للوظائف على مدى العقود العديدة المقبلة”.

ولكيلا يتفوق عليه زميله الملياردير، ذهب “أمباني” إلى أبعد من ذلك، حيث صرح أن الهند في طريقها لتصبح اقتصادا بقيمة 40 تريليون دولار بحلول عام 2047. ويمكنك رؤية حماسة البالغ وهو يدلي بذلك التصريح، حيث أشار أمباني إلى “الثورات” الثلاث للطاقة النظيفة والطاقة الحيوية والتحول الرقمي باعتبارها محركات نمو الهند.

والأهم من ذلك، أن كلا الرجلين ينفقان ويستثمران المليارات في الهند لتنمية أعمالهما، والتوسع بقوة في قطاع الطاقة المتجددة. حيث قال أداني إن الهند يمكن أن تكون مصدرا صافيا للطاقة الخضراء بحلول عام 2050، بمعنى آخر، أن افعالهم تتماشى مع أقوالهم.

وأضافت العديد من تقارير البنوك الاستثمارية الأخيرة إلى التوقعات المبشرة، حيث أشار “مورغان ستانلي” الشهر الماضي إلى أن “الهند لديها الظروف اللازمة لازدهار اقتصادي يغذيه الاعمال البحرية، والاستثمار في التصنيع والطاقة والبنية التحتية الرقمية المتقدمة للبلاد، وهذه المحركات ستجعل [الهند] ثالث أكبر اقتصاد وسوق للأوراق المالية في العالم قبل نهاية العقد.”

ونمو الهند بنسبة 8.2 في المئة في عام 2022 جعلها أسرع اقتصاد نامي في العالم، وذلك وفقا لصندوق النقد الدولي. وفي حين خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو في الهند للفترة مابين 2022-23 إلى 6.8 في المائة، إلا أنه لا يزال رقما قويا نظرا للتحديات العالمية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، واضطرابات سلسلة التوريد، والانقسامات الجيوسياسية الناشئة عن غزو روسيا لأوكرانيا.

فما هو الوضع الراهن؟ أشارت الأخبار على الصعيد العالمي في شهر سبتمبر إلى أن الهند تفوقت على المملكة المتحدة لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم وغذت رواية “الهند الصاعدة”.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن عدد سكان المملكة المتحدة لا يمثلون سوى حوالي 5 في المئة فقط من سكان الهند البالغ عددهم حوالي 1.4 مليار نسمة، بل أن إجمالي عدد سكان المملكة المتحدة البالغ 67 مليون نسمة أصغر من ست من الولايات الهندية الأكثر اكتظاظا بالسكان. ومن حيث الناتج المحلي الإجمالي، فإن الاقتصاد الوطني للهند أكبر قليلا من اقتصاد كاليفورنيا ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أصغر بخمس مرات من نظيره في الصين، وعلى الرغم من أن الهند قد تكون في طريقها للصعود، إلا أنها تفعل ذلك بسبب سنوات عديدة من الأداء الضعيف.

ولكي نكون منصفين، حققت الهند نجاحات كبيرة مثل: الحد من الفقر، فوفقا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صعد حوالي 415 مليون شخص في الهند فوق مستوى الفقر متعدد الأبعاد على مدى السنوات الـ 15 الماضية. وهذا “تغيير تاريخي”، كما يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لكنه لا يزال هناك ما يقرب من 230 مليون شخص تحت خط الفقر و 300 مليون آخرين بدون كهرباء، وهو ما لا يدعم تماما التصريحات المبشرة.

هل ستصل الهند إذن إلى القمم الشامخة التي اقترحها أمباني وأداني؟ سيتوقف ذلك على السياسة. فإذا تمكنت الطبقة السياسية في الهند من خلق بيئة تنظيمية أكثر ملاءمة للأعمال والاستثمار الأجنبي والتجارة، وانفقت على البنية الأساسية اللوجستية، والتعليم، والرعاية الصحية، فإن المواهب الشابة في مجال ريادة الأعمال مع شيء من الجد والاجتهاد قادرين على الوصل إلى تلك القمم.

ويوجد حاليا أكثر من 700 مليون هندي تقل أعمارهم عن 29 عاما وحوالي 400 مليون تتراوح أعمارهم بين 30 و49 عاما، هذه هي التركيبة السكانية الملائمة للغاية للنهوض الاقتصادي. وبالاستعانة بالسياسات الصحيحة، يمكن لهذا التسونامي من الشباب أخذ الهند إلى مستويات تقدر بعدة تريليونات من الدولارات كما تصورها أمباني وأداني.

إن الاختبار النهائي لنجاح الهند الاقتصادية هو بالأفعال وليس بالأقوال. وكما كتب “روشير شارما” وهو مؤلف ومستثمر واستراتيجي اقتصادي، والذي ولد في الهند في عام 2018 “عندما تقع دولة ما في صعوبات اقتصادية وسياسية، غالبا ما يكون الأثرياء أول من يشحن أموالهم إلى ملاذات أكثر أمانا في الخارج” لذلك، فإن رؤية ما يفعله أغنى أغنياء الهند بثرواتهم يمكن أن يكون أفضل مؤشر للازدهار الوطني.

في الوقت الحالي، يقوم أصحاب الملايين والمليارديرات في البلاد بمطابقة أفعالهم مع أقوالهم، وإذا استمر ذلك، فإن المستقبل الاقتصادي للبلاد سيكون مشرقا حقا.

 

أفشين مولافي هو زميل فخري في معهد السياسة الخارجية في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ومحرر ومؤسس النشرة الإخبارية للعالم الناشئ.

 تويتر: @AfshinMolavi