سلسلة الكتل (“بلوك تشين”): آفاقها ومخاطرها بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط

جوزيف دانا

مهما حاولتَ فإنك لن تستطيع تفادي هوس “البيتكوين” هذه الأيام. ففي مختلف أنحاء العالم تدور الجدالات حول مدى قدرة تكنولوجيا “البيتكوين” وسلسلة الكتل (blockchain) على إحداث تحول في النمط الذي يسير عليه المجتمع، كما لو أننا مُقبلون على عصر جديد بمعنى الكلمة. فهل سيحل “البيتكوين” محل النقود الورقية ويقلص الثقة في العملات التقليدية التي تصدرها الحكومات؟ وهل ستغير تكنولوجيا سلسلة الكتل الكيفية التي نتعامل بها مع بعضنا البعض إلى درجة أن تأخذنا إلى حقبة جديدة من التنظيم البشري؟

تتجلى بعض الإجابات على هذه التساؤلات في الكيفية التي تتعاطى بها الحكومات مع وتيرة نمو “البيتكوين” وسلسلة الكتل، حيث إن اعتماد أي تكنولوجيا جديدة على نطاق واسع يشكل تحدياً أمام الجهات التنظيمية التي تسعى إلى ضمان سيادة القانون دون عرقلة الابتكار. ومن هذا المنطلق، تمثل الإمارات العربية المتحدة، بصفتها دولة صغيرة تستثمر في أحدث التكنولوجيات المتطورة، حالة اختبارية جديرة بالاهتمام.

لكن أولاً وقبل كل شيء، سنقدم وصفاً موجزاً للكيفية التي تعمل بها هذه الابتكارات؛ إن سلسلة الكتل هي التكنولوجيا التي تسمح بتشغيل عملات مشفرة مثل “البيتكوين”. وفي حين قد يبدو هذا الأمر معقداً، فإن سلسلة الكتل أساساً لا تعدو أن تكون سوى سجل رقمي مفتوح المصدر؛ أي أن المعاملات تتم على سجل تتحكم فيه شبكة عالمية من الحواسيب. وبدل قيام مصرف ما أو حكومة معينة بالاحتفاظ بهذا السجل، تضمن هذه الشبكة اللامركزية من الحواسيب أن جميع المعاملات تتم وفقاً للشروط المتفق عليها من قبل جميع الأطراف، وجميع المعاملات مفتوحة المصدر، حتى إنه بإمكانك متابعة معاملات “البيتكوين” فور حدوثها مباشرة على الإنترنت.

للإشارة، فإن الحواسيب التي تتحقق من صحة المعاملات بـ”البيتكوين” محافظةً بذلك على سلامة السجل يتم بين الفينة والأخرى مكافأتها بقطع “بيتكوين” جديدة في ممارسة يطلق عليها اسم “استخراج المعدن” (mining). إن هذه الممارسة قد أدت إلى ازدهار استخراج المعدن الإلكتروني في جميع أنحاء العالم من طرف أشخاص يسعون جاهدين للحصول على عملة “البيتكوين” (علماً بأن قيمة “بيتكوين” واحد تعادل 8155 دولاراً في وقت كتابة هذه السطور). ونظراً للطاقة الحاسوبية العالمية التي تسهر على سلامة السجل، سيحتاج كل راغب في التلاعب بمعاملات “البيتكوين” إلى قوة حاسوبية غير متوفرة اليوم.

والنتيجة هي نظام رقمي قوي قائم على الثقة يمكِّن من الاطلاع على جميع المعاملات، بل ويكاد يكون السجل محصناً تماماً ضد أي تلاعب. هذا ويُمكِن استخدام تكنولوجيا سلسلة الكتل في أي معاملة مبنية على الثقة، من صرف العملات إلى تسجيل الأراضي، حيث تكون المعاملات غير ورقية وآمنة وفورية.

ما دخل هذا إذن بالإمارات؟ نظراً للمكانة المتنامية لدولة الإمارات على صعيد التمويل العالمي، تركز السلطات الإماراتية على تفادي أي نشاط مالي غير مشروع. وقد عملت الدولة بشكل وثيق مع مؤسسات مالية دولية ودول أخرى من أجل ضمان القضاء على أي شكل من أشكال غسل الأموال أو التهرب الضريبي. فلا عجب أن الحكومة قد اتخذت منحى صارماً فيما يتعلق بالعملات المشفرة مثل “البيتكوين”.

وباعتبارها عملة لا مركزية تسمح لمستعمليها بالتداول دون الكشف عن هوياتهم، فإن “البيتكوين” تطرح مجموعة من الإشكاليات بالنسبة للهيئات التنظيمية الحكومية. حيث إن تداول العملات المشفرة من الإمارات أمر صعب، كما أن الحكومة تمنع مواطنيها من شراء أو بيع هذه الأصول. إن مثل هذه القوانين التنظيمية تعد منطقية في دولة توجد تحت مجهر الهيئات التنظيمية والمؤسسات المالية الدولية، غير أنها تمثل تحدياً أمام اعتماد تقنية سلسلة الكتل بشكل عام.

وفي الوقت الذي منعت فيه السلطات المالية بشكل فعلي العملات المشفرة، درست جهات أخرى من الحكومة الإماراتية طرقاً لإدراج سلسلة الكتل في الحكامة. فقد وضعت حكومة دبي خططاً لاستعمال سلسلة الكتل في كافة الأمور من تذاكر مواقف السيارات إلى صكوك الأراضي. وبالنظر إلى الاهتمام الذي تحظى به التكنولوجيا خاصة على مستوى الإمارات، فإن إدماج سلسلة الكتل في شؤون الحكامة أمر منطقي. فإستونيا على سبيل المثال أحدثت ضجة لاستخدامها المبتكر لسلسلة الكتل في تخزين السجلات الصحية. حيث يمكن لكل مواطن الاطلاع على سجله الصحي عبر الإنترنت وفي أي وقت شاء. كما أن البيانات مؤمنة ويمكن إرسالها للأطباء بشكل فوري وذلك بفضل سلسلة الكتل، لذلك سيكون اعتماد نظام مماثل في الإمارات بمثابة طفرة نوعية.

هذا ولسلسلة الكتل القدرة على إحداث ثورة في ميدان التحويلات المالية، التي تعد جانباً مهماً من الاقتصاد الإماراتي. وقد بدأت شركة “اتصالات” التي يوجد مقرها بالإمارات بالفعل في الاستثمار في الشركات الناشئة التي تعمل بسلسلة الكتل المتخصصة في دفع التحويلات المالية، كشركة “تلكوين” التي يوجد مقرها في طوكيو. وتقوم هذه الشركة الناشئة باستعمال العملات المشفرة لتسهيل إرسال الحوالات المنخفضة التكلفة، ما يؤدي إلى الاستعاضة عن المشغلين التقليديين كـ”وسترن يونيون”. إذ يمكن للعملاء إرسال الأموال من محفظة نقود مدمجة ضمن تطبيق في الهاتف المحمول إلى محفظة نقود محمولة أخرى بتكلفة أقل بكثير مما تطلبه مكاتب الحوالات التقليدية.

إن ما نراه أمامنا هو وعد بتكنولوجيا ثورية جديدة ولكنها لا تخلو من مخاطر، فسلسلة الكتل سائرة في قلب القواعد التي تتم بها المعاملات العادية والطريقة التي تعمل بها الحكومات. وإن أمام دولة الإمارات فرصة لتكون في طليعة هذه التغيرات من خلال اعتماد الخصائص الإيجابية لهذه التقنيات، لا سيما جانب فعالية الحكومة والحكامة الرقمية والأمن الإلكتروني، مع ضمان الاستجابة للمخاوف الأمنية. وبالمقابل يتجلى الخطر الدائم في إقدام الهيئات التنظيمية على خنق الابتكار من خلال فرض إجراءات صارمة تسعى للقضاء على الشركات والممارسات التي تعمل بواسطة سلسلة الكتل. ويعد النقاش الجاري حول المحادثات الصوتية عبر بروتوكول الإنترنت (VoIP)، الذي نتج عنه منع منصات معروفة مثل “سكايب”، مثالاً تحذيرياً في هذا الصدد.

قد لا تتمكن سلسلة الكتل من تغيير العالم بالطريقة التي كان يأملها مخترعوها، لكنها تقدم دون شك مجموعة من الابتكارات التي تغير الطريقة التي نعيش بها. إن لدى الحكومات فرصة لركوب موجة هذه التغيرات من خلال تكييفها مع نظم وقوانين جديدة. أمَّا محاولات خنق الابتكار بفرض منع صريح للتكنولوجيا فلن ينتج عنه سوى الخسارة على المدى الطويل.

AFP PHOTO/STEPHANE DE SAKUTIN