السلطة الفلسطينية ضلت طريقها

جوزيف دانا

AFP Photo: Abbas Momani

يترقب العالم الكشف عن خطة السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين والتي تتشدق بها إدارة ترامب. ولكن حتى قبل ذلك الوقت، تحاول السلطة الفلسطينية إنهاء اتفاقيات أوسلو والتي تضمن بقاء الوضع الراهن. والحقيقة، أن إسرائيل استخدمت تلك الاتفاقيات، التي جاءت بالسلطة الفلسطينية كشكل مؤقت للحكم الذاتي الفلسطيني عام 1994، لتُعجل بسيطرتها الكاملة على الضفة الغربية. وفي أحسن الأحوال، وقفت السلطة الفلسطينية جانبًا لتُشاهد تطورات تلك العملية بلا حول منها ولا قوة. أما في أسوأ الأحوال، فهي تُعد شريكًا مُتعاونًا. ولكنها تسعى الآن إلى تقويض الاتفاقيات لإطالة أمد وجودها، ولا تبالي السلطة بالتناقض الذي ينطوي عليه هذا الأمر: أي إنهاء الاتفاقات التي تضمن وجود السلطة الفلسطينية، لإطالة مدة استمرارها. مما يُشير إلى أن السلطة الفلسطينية تشهد حالة متزايدة من الجمود الفكري وإفلاس المنطق.

وبسبب المخاوف من تزايد مشاعر الغضب بين الفلسطينيين، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في نهاية أغسطس/آب، أن المنظمة لن تعترف بعد الآن بتقسيم الضفة الغربية. وستبدأ السلطة الفلسطينية في إصدار تصاريح البناء للمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، متجاهلة التقسيم الأساسي المنصوص عليه في الاتفاقيات. كما أعلن عباس في يوليو/تموز للمرة الخامسة والثمانين أن السلطة الفلسطينية ستنهي تعاونها الأمني مع إسرائيل، رغم أنه أحد الأركان الرئيسية بالاتفاقيات. (إن ما قرأته صحيح، كانت تلك المرة الخامسة والثمانين التي يعلن فيها رئيس السلطة الفلسطينية إنه سينهي التعاون الأمني). ولن يحدث أي شيء، ولا يوجد على الأرجح أي عرض من شأنه أن يخفف العبء عن المواطن الفلسطيني العادي.

أعطى عباس تفاصيل ضئيلة حول الشكل الذي ستبدو عليه نهاية اتفاقيات أوسلو من المنظور الفلسطيني. كل ما تعرفه قيادة السلطة الفلسطينية أن عليها أن تفعل أي شيء حيال هذا الأمر- أو أن تقول على الأقل بأنها ستفعل شيئًا ما- للحفاظ على مصداقيتها أمام الشارع الفلسطيني. يشعر الفلسطينيون بالإرهاق بسبب هيمنة إسرائيل الكاملة على كل جانب من جوانب حياتهم. لن يمر وقت طويل قبل أن يطالب الفلسطينيون بتغيير النظام في الداخل قبل التصدي للمُحتَّل. وهو ما تُدركه السلطة الفلسطينية جيدًا.

قسمت اتفاقيات أوسلو الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، لغرضين، وهما الأمن والإدارة المدنية. والمناطق هي، المنطقة “أ”، وتشكل “18” في المائة من أراضي الضفة، وتشمل المدن الفلسطينية الرئيسية مثل “رام الله” و”الخليل” و”نابلس”. وتخضع هذه المناطق للسيطرة الأمنية والمدنية للسلطة الفلسطينية، ويحظر على القوات الإسرائيلية دخول هذه المناطق (نظريا على الأقل). والمنطقة “ب”، وتشكل “22” في المائة من أراضي الضفة الغربية، وتشمل عدة مُدن أصغر حجمًا ؛ وتخضع للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية، وللسيطرة الأمنية للسلطة الإسرائيلية. والمنطقة “ج”، وتشكل 60 في المائة من أراضي الضفة الغربية، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتضم جميع المستوطنات الإسرائيلية الرئيسية. وتدخل ضمن المنطقة “ج” أيضًا العديد من القُرى والمُدن الفلسطينية، لكن غالبية الفلسطينيين يعيشون في المنطقتين “أ” و”ب”.وكان هذا التقسيم منطقيًا في البداية، لأنه منح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا محدودًا. وكانت اتفاقيات أوسلو، رغم كل هذا، خطة مؤقتة للوصول إلى حل قائم على وجود دولتين. حيث كان من المفترض تسليم السلطة تدريجيًا. ولكن الواقع كان مختلفًا كثيرًا، حيث مازالت إسرائيل هي القوة المهيمنة على كامل الأرض، ونادراً ما اعترفت بتقسيم اتفاقية أوسلو لأراضي الضفة الغربية. عندما أقمت في رام الله في أواخر العقد الأول من القرن العشرين، كان الجنود الإسرائيليون يشنون بانتظام عمليات توغل في المدينة، وذلك في انتهاك واضح لتقسيم السلطة المنصوص عليه في الاتفاقيات. ومازال الوضع كما هو.وبعد عقدين من الجمود في عملية السلام، استغلت إسرائيل تقسيم الضفة الغربية لترسيخ سيطرتها. ففي المنطقة (ج)، على سبيل المثال، شيدت إسرائيل نظامًا شاسعًا من الطرق الجانبية للمستوطنين، مما جعل المستوطنات خيارًا جذابًا ورخيصًا للأشخاص الذين يعملون في القدس أو في تل أبيب. كما عمقت تلك الطرق أيضًا الفصل بين المراكز الحضرية الفلسطينية، وجعلت إمكانية قيام دولة فلسطينية أقل قابلية للتطبيق. في تطبيق حرفي للمقولة الاستعمارية القديمة: “فرق تسد”. لتحقيق أقصى فائدة.يُعد التعاون الأمني أحد الجوانب المهمة الأخرى في اتفاقيات أوسلو. وتمارس قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي تلقت تدريبها على يد المُدربين الأمريكيين والإسرائيليين، قمعها للمعارضة الفلسطينية المُناهضة للاحتلال قبل أن تمتد إلى شوارع المستوطنات الإسرائيلية. وقد أطلق البعض على قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لقب مقاول الاحتلال الذي يعمل من الباطن. ولا عجب أن ذلك الأمر يُعد مصدر استياء شديد للفلسطينيين. تؤيد الغالبية الساحقة من الفلسطينيين تعليق اتفاقيات أوسلو أو إنهائها. حيث أنها أصبحت مصدرًا لتعاسة الفلسطينيين بسبب الوضع الراهن. وفي استطلاعات الرأي على مدى السنوات القليلة الماضية، أعرب الفلسطينيون عن خيبة أملهم إزاء عدم وجود أي خطوة بشأن السلام أو تجاه حل الدولتين. ويشعر الكثير من الفلسطينيين بأن إسرائيل قد استغلت المفاوضات كحيلة لتعميق سيطرتها على الضفة الغربية.وفي الوقت نفسه، كانت جهود السلطة الفلسطينية في الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة بمثابة انتصار أجوف ليست له أي دلالة. ويدرك عباس مشاعر السخط المتزايدة التي تنتاب شعبه ، وعلى الرغم من قوله إنه سينهي التعاون الأمني “ثمانية وخمسين” مرة، إلا أن عدم اتخاذه أي خطوة بهذا الشأن قد جعل مصداقيته محل شك. وفي ظل بقاء الرئيس الفلسطيني عامه العاشر في فترة ولاية مدتها أربع سنوات، مع الشك في إمكانية إجراء الانتخابات، لا بد للوضع الراهن أن يتغير، وأن يعلن أحد الأطراف إذعانه للآخر.ولذلك، تبذل السلطة الفلسطينية قصارى جهدها: إذ تهاجم عملية السلام المتوقفة على أمل أن تستمر في تهدئة الشارع المضطرب. فقد سبق وأن نجحت هذه المناورة قبل ذلك. ولكن قد ينتهي الهدوء قريبًا، في ظل دعم البيت الأبيض الشديد لرغبات إسرائيل في ضم الأراضي الفلسطينية،. لن يفلح أي حديث لعباس في احتواء غضب الفلسطينيين للأبد – ولا سيما في ظل محاولات السلطة الفلسطينية الاستمرار في الحكم والتي في واقع الأمر تعمل على تقويض وجودها في المقام الأول.

يعمل “جوزيف دانا”، والذي يتخذ من دولة جنوب أفريقيا ودول الشرق الأوسط موطنًا له، رئيس تحرير موقع “emerge85″، (أحد المختبرات التي تستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي).