الحل الحقيقي والوحيد لمواجهة التغير المناخي قد يكون “الركود الاقتصادي البناء”

جوناثان جرونال

بعد اعتلاء متحدث تلو الآخر منصة القمة العالمية للحكومات والتي انعقدت في دبي هذا الشهر لإطلاق التحذيرات الصارخة بشأن تغير المناخ والانقراض الوشيك للبشرية، أصبح من الواضح أن أحدًا لن ينتقد تلك الحقيقة الواضحة والتي تتعرض للتجاهل بشكل واضح من الجميع.

وكانت “ماريا فرناندا إسبينوزا غارسيا”، رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، من بين الشخصيات الدولية البارزة التي اجتمعت للتحذير من أن البشرية ستلقي نفس مصير الديناصورات ما لم تتخلى الحكومات عن مصالحها الاقتصادية الشخصية الضيقة.

غير أن ما كان ينقص تلك القمة، شأنها في ذلك شأن مثل هذه المناسبات، هو الاستعداد لإقرار الحل الوحيد والفعال لمواجهة التغير المناخي. ولا يتضمن هذا الحل تحميل الأفراد مسؤولية هذا التغير المناخي، لأن التخلص من الأكياس البلاستيكية وإعادة تدوير مواد التعبئة تجعلنا في حال أفضل، غير أنه إلهاء خطير يوضح أنه لا وجود لأي فرصة لتوضيح الخطر الوجودي لتغير المناخ. والحل الوحيد الممكن، والواضح وضوح الشمس للحكومات الحاضرة للقمة، وهو التوقف عن استخدام الوقود الحفري.

ويجب تطبيق هذا الحل على الفور، دون الانتظار لغدٍ أو لمستقبل نتخيل فيه أن مصادر الطاقة المستديمة ستكون في متناول أيدينا.

ومن المفهوم أن مثل هذا الأمر لعنة لجميع الدول، وبالأخص في دول الخليج، والتي يدين اقتصادها كثيرًا للغاز والنفط، ومازالت معتمدة اعتمادًا كليًا على الوقود الحفري لمواصلة نموها الاقتصادي.

ولأنها موطن مدينة “مصدر”، حيث مقر شركة أبوظبي لطاقة المستقبل، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تدعي أنها في حقيقة الأمر فعلت أكثر من معظم الدول لدعم استخدام الطاقة المستديمة، وذلك بالعمل على تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على الوقود الحفري، والاستثمار في الطاقة الشمسية والنووية، والتطلع إلى توفير ما يصل إلى 30% من احتياجاتها للطاقة المتجددة بحلول عام 2030.

وبالقدر الذي ترفع فيه دولة الإمارات شعار غدًا نظيف، فإنها أيضًا أبرز نموذج للواقع الذي نسعى إليه، بشرط أن نتعلم بطريقة ما كبح جماح النمو. وتواجه الإمارات الآخذة في التوسع طلباً هائلاً على المياه والكهرباء، وهو ما لا يمكن تعويضه بالطاقة المتجددة. وقد تكون دولة الإمارات العربية المتحدة ملتزمة بصدق بالحد من تأثير تغير المناخ، حيث أنها ملتزمة بتنمية الدولة لصالح مواطنيها، وهما طموحات حميدة، غير أنه لم يعد من الممكن التطلع إلى كليهما.

وتعد فكرة استغناء دول العالم عن الوقود الحفري قبل أن ينفد طبيعيًا هي فكرة غاية في الصعوبة ، يث انه من المتوقع ان ينفذ في غضون مائة عام، ، وحينئذ سينتهي أمر كوكب الأرض. ومما يزيد المشكلة تفاقمًا ويجسدها في الوقت ذاته هو نمو معدلات السفر جوًا والتي تتضاعف كل خمسة عشر “15” عامًا.

لكننا في لحظة محورية في تاريخ الجنس البشري، وليس هذا بالوقت المناسب الذي يمكن السماح فيه للصعوبات التي فيما يبدو لا يمكن التغلب عليها بأن تقف عقبة في طريق الإبداع. والأهم من ذلك، هو أن البشر أذكياء، فالعقل البشري هو من اخترع العجلة والزراعة ، وهزم جحافل من الأمراض التي دمرت أجيالًا من أسلافنا، وصعد بالرجال إلى سطح القمر. ولهذا يجب أن يكون البشر واثقين من قدراتهم على حل هذه المشكلة، وذلك بإحضار أفضل العقول في الاقتصاد والعلوم والسياسة.

وكما اتضح من الانهيار البطيء لاتفاق باريس للمناخ، لم يعد بوسعنا أن نضيع الوقت في مناقشة الحلول غير الفعالة والتي تعثرت خلال المناقشات غير الرسمية بشأن النسبة المستهدفة للانبعاثات الإضافية. وبدلاً من ذلك، هناك حاجة لإنقاذ كوكب الأرض من خلال إجراء إعادة هيكلة جذرية للطريقة التي يدير بها العالم شئونه. ولقد نجح نموذج التنمية الاقتصادية الدائمة الذي أطلقته الثورة الصناعية في تحقيق العجائب، مما أدى إلى إنقاذ البلايين من بؤرة الفقر إلى رغد العيش، وزيادة معدل متوسط الأعمار المتوقع في جميع أنحاء العالم.

إن الوضع الحالي أشبه بالمصيدة، وسندفع الثمن جميعنا، ما لم نتحرر منه. وبدءًا من الأفراد والمؤسسات وصولاً إلى المدن والدول بأكملها، يجب علينا ضبط توقعاتنا، ومعرفة كيف نقدر ما لدينا بدلاً من البحث باستمرار عن شيء جديد وأفضل.

وعلى مدار الأربعين “40” سنة الماضية، تضاعف استهلاك الغاز والنفط والفحم ليصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق. وهناك ثلاث مناسبات فقط انخفض فيها هذا الاستهلاك، رغم أنه لم يستمر طويلاً، وكان ذلك الركود العالمي الذي وقع ثلاث مرات خلال تلك الفترة.

والآن، ربما أن مصطلح “الركود المنظم” – أو ، الأفضل من ذلك، الركود البناء – هي الفكرة التي حان وقتها.

وبشرط أن تتعاون الدول معًا، فيمكننا التطلع إلى تنفيذ هذا النموذج الجديد. ولا يمكن لهذا النموذج أن يرى النور إلا بعد التغلب على الانعزالية الوهمية والهدامة والتي يُروج لها من هم على شاكلة “دونالد ترامب” في هذا العالم بغية تحقيق مكاسب سياسية، ورغم هذا، يجب التغلب عليها.

إن العالم الآن في حاجة إلى بطل – قائد أو أمة لديها الشجاعة والنفوذ للتفكير في كل ما هو مستحيل، ورفض نموذج التنمية الاقتصادية الذي يعتريه القصور والفشل ووضعنا جميعًا في هذه الفوضى، وتقديم نموذج عالمي بديل يمكن التعايش معه.

وقد يبدوا هذا النموذج نموذجا ثوريًا، وحقيقة هو كذلك. الا انها لن تكون ثورة بدافع الأيديولوجيا أو شهوة السلطة، ولكن من الضرورات الاساسية للتطور اللازم لضمان استمرار الجنس البشري.

AFP PHOTO/ARIS MESSINIS