انهيار أسعار النفط لن يؤثر على جميع الاقتصادات بذات القدر، والمشكلة الحقيقية تكمن في انه بات خارج سيطرة أي حكومة

كريستيان لامير

AFP photo: Bryan R. Smith

يوم الإثنين الماضي تعرّضت أسواق المال والطاقة والسندات والعملة لاضطرابات بسبب انهيار أسعار النفط، وقد تهاوت أسعار النفط خلال العام الحالي بنسبة تبلُغ حوالي 50% جراء الصدمات التي شهدها سوق العرض والطلب، وعلى الرغم من أن الاضطرابات الأخيرة ربما تُلحِق ضررًا شديدًا بالدول المنتجة للنفط؛ إلا أن نتائج انهيار أسعار النفط على المدى الطويل ليست جميعها سيئة، والقلق بالنسبة للحكومات التي تحاول مواجهة الآثار السلبية أن أمامهم القليل الذي يمكن عمله على المدى القريب.

وقد تمثّل الدافع وراء الانهيار الذي شهدته أسعار النفط يوم الاثنين في انهيار المحادثات بين روسيا والدول المصدرة للبترول (أوبك)، تلك المحادثات التي تركزت حول خفض إنتاج النفط. وتعُد تلك أسرع حالات الانهيار في أسعار النفط منذ حرب الخليج التي اندلعت في العام 1991، وقد وصل سعر خام برنت يوم الاثنين إلى 34 دولارًا للبرميل بانخفاض قدره 24%، لكن تلك الأزمة تأتي بعد 5 أعوام فقط من انهيار آخر لأسعار النفط شهده العام 2014 – 2015، حين انخفضت الأسعار من 115 دولارًا إلى 30 دولارًا للبرميل في غضون 18 شهرًا.

وأخيرًا توصلت روسيا ومجموعة الدول المصدرة للبترول (أوبك) إلى اتفاقية لخفض إنتاج النفط بمقدار 1.8 مليون برميل يوميًا، وباتت الكمية المخفضة تمثل 2% من إجمالي إمدادات النفط العالمية، وهذه المرة حين دفعت الرياض باتجاه تخفيض هائل لإنتاج النفط يبلُغ 3.5% من إجمالي إمدادات النفط العالمية، تراجعت موسكو عن موقفها.

ومع فشل الاتفاق بين الدول الأعضاء والدول غير الأعضاء في منظمة (أوبك)؛ كررت المملكة العربية السعودية ما فعلته في العام 2014، حيث قامت بشن حرب أسعار عبر زيادة الإنتاج وتخفيض أسعار النفط الذي يتم تصديره إلى الدول الآسيوية والأوروبية، وذلك من أجل انتزاع حصة في سوق النفط العالمية.

وما جعل السعودية قادرة على القيام بتلك الخطوة هو انخفاض تكلفة إنتاج النفط في المملكة، وتبلُغ تكلفة إنتاج ونقل برميل واحد من النفط في المملكة العربية السعودية (وباقي دول الخليج) أقل من 10 دولارات، وتبلُغ التكلفة في روسيا 30 دولارًا، أما في الولايات المتحدة فتلك التكلفة تقارب 50 دولارًا للبرميل الواحد.

لذا وعبر زيادة الإنتاج وخفض الأسعار الإجباري تقوم الرياض بالضغط على الدول التي تنتج النفط بتكلفة مرتفعة، خاصة الولايات المتحدة حيث زاد إنتاج النفط ليصل إلى 12.8 مليون برميل وكان قد بلغ 5.5 مليون برميل يوميًا في العام 2009، حيث تجاوزت الولايات المتحدة كل من المملكة العربية السعودية وروسيا لتصبح أكبر منتج للنفط على مستوى العالم، وحينما اتبعت السعودية تلك الاستراتيجية في العام 2014 – 2015 خسرت الولايات المتحدة مليون برميل لعدم وجود أرباح تغطي تكلفة تشغيل بعض الآبار.

لكن تلك السياسة لها ثمن: ومن أجل تحقيق التعادل المالي في الميزانية السعودية بلغ سعر برميل النفط 83 دولارًا للبرميل، وهذا يعني أن الرياض يجب أن تقترض كل دولار ينخفض عن السعر الذي ذكرناه من أجل تغطية النفقات.، وفي العام 2012 كان هناك فائض مالي تجاوز 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وبعد الصدمة التي أصابت أسعار النفط تحول الفائض إلى عجز بلغ 15% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2015، وقد كان على المملكة بالفعل اقتراض 100 مليار دولار خلال هذا العام من أجل سد عجز الميزانية.

وهذا الأمر ينطبق على جميع الدول التي تعتمد على النفط فحسب واعتباره المصدر الأهم لعائدات الحكومة خاصة في الشرق الأوسط، والواقع أن سعر التعادل المالي لبرميل النفط في دول الخليج بات أعلى من أسعار النفط الحالية، ففي الإمارات العربية المتحدة بلغ السعر 70 دولار، وفي سلطنة عمان 87 دولار، وفي البحرين 92 دولار، وفي إيران 195 دولارًا للبرميل الواحد، وجميع تلك الدول باتت مُجبرة على اقتراض المزيد من الأموال وخفض النفقات أو اللجوء للاحتياطي (وهو ما يساوي في حالتي السعودية والإمارات مئات المليارات من الدولارات)، وبالنسبة للدول التي تتعرّض للضغط بالأساس بسبب الديون (مثل البحرين التي تقارب قيمة الديون المستحقة عليها 100% من الناتج المحلي الإجمالي) فهناك احتمالية لتعرُض تلك الدول لأزمات مالية شديدة.

وبالنسبة للدول الأخرى المنتجة للنفط فإن الضرر ربما يكون أقل حدة لكنه لا يزال ضررًا بالغًا، وفي روسيا يبلغ سعر التعادل المالي 42 دولارًا للبرميل الواحد، وعلى الرغم من ذلك إلا أن العملة تأثرت حيث (هبطت بنسبة 8% يوم الاثنين الماضي)، وذلك من المحتمل أن يؤدي لحدوث أزمة في العملة الروسية.

وفي الولايات المتحدة، فإن انخفاض أسعار النفط على مدار فترة من الوقت ربما يؤدي إلى ضغوط على عملية الإنتاج ذاتها، لكن الاقتصاد الأمريكي لا يعتمد بشكل أساسي على صناعة النفط، كما أن انخفاض سعر الوقود يعد عاملًا محفزًا على الإنفاق بالنسبة للمستهلكين وهو المحرك الرئيسي للاقتصاد الأمريكي، وقد أشار تقرير صادر عن معهد بروكينجز في العام 2016 إلى أن انهيار أسعار النفط في العام 2014 – 2015 لم يكن له تأثير يُذكر على الاقتصاد لأن القوة الاستهلاكية عوضّت قلة ضخ رأس المال في قطاع النفط.

وبالنسبة للدول المستهلكة فإن انخفاض أسعار النفط قد جاء في الوقت المناسب، والصين اليوم تعُد ثاني أكبر مستهلك للنفط على مستوى العالم، كما أنها أكبر مستورد للنفط على مستوى العالم، وفي العام 2019 سجلت الصين رقمًا قياسيًا في استيراد النفط حيث استوردت 10.1 مليون برميل يوميًا، ولو استمرت أسعار النفط على الوضع الحالي فإن سعر برميل النفط من الممكن أن ينخفض خلال العام الحالي بقيمة 30 دولارًا، مما سيوفر للصين بشكل فعلي أكثر من 100 مليار دولار، وتلك المنحة أتت في وقت مناسب للاقتصاد الصيني الذي تعرّض لصدمة منذ فبراير بسبب انتشار فيروس كورونا.

أما الدول الرئيسية الأخرى المستوردة للنفط مثل الهند، التي أنفقت العام الماضي 100 مليار دولار على واردات النفط، من الممكن أن تحصل على زيادة تبلُغ 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي إذا ما انخفضت أسعار النفط بنسبة 50%، أما الدول التي تأثر اقتصادها بسبب فيروس كورونا مثل إيطاليا ربما تقل وارداتها من النفط بقيمة 15 مليار دولار وهو ما يعادل 0.75 من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن ثم فإن انخفاض أسعار النفط سيكون له مجموعة من النتائج: وسيلحق الضرر باقتصادات دول الشرق الأوسط التي تعتمد على النفط، ومن المحتمل أن يكون له تبعات كارثية على الدول المثقلة بالديون، ولن يكون هناك تأثير لانخفاض الأسعار على الاقتصاد الأمريكي بشكل عام، كما سيكون له نتائج إيجابية بالنسبة للدول المستوردة في قارتي آسيا وأوروبا.

لكن آثار انخفاض أسعار النفط على الأسواق وصناعة النفط ستكون كارثية: ويوم الاثنين هبط مؤشر داو جونز بنسبة 7.8%، كما هبط مؤشر فاينانشال تايمز للأوراق المالية في لندن بنسبة 7.7%، أما صناعة الوقود الصخري في الولايات المتحدة فقد تعرضت لضرر بالغ، كما أن انخفاض أسعار النفط يعني انخفاض ضخ رأس المال فضلًا عن التأثير على مشروع خط الأنابيب بالسلب، وهو ما يمكن أن يستمر لعشرات السنين.

وقد باتت أسعار النفط حائرة بين مطرقة الطلب حيث انخفض الطلب على النفط بصورة لم تحدث منذ الكساد العظيم، وبين سندان الصدمة التي أصابت إمدادات النفط. وقد بدأت الحكومات التفاعل مع مسألة تدهور البيئة الاقتصادية بالاستعانة بسياسة التحفيز المالي عبر خفض سعر الفائدة، وربما تقترن تلك الإجراءات الآن بسياسة التحفيز المالي من أجل دعم قطاع النفط والصناعات التي تأثرت وتدعيم موقف الاقتصادات التي تعتمد على النفط.

لكن حتى مع الاستعانة بتلك المحفزات من أجل التعامل مع الأعراض، تظل أسباب انهيار أسعار النفط خارج سيطرة الحكومات، وإلى أن ينحسر فيروس كورونا ومن ثم يزداد الطلب في الصين وأماكن أخرى، أو تقييد إمدادات النفط عبر خفض إنتاج الوقود الصخري الأمريكي أو التوصل إلى تسوية جديدة مع منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ربما تتضرر الدول المنتجة للنفط خلال العام 2020.

كريستيان لو ميير هو مؤسِس Arcipel، وهي مؤسسة للاستشارات الاستراتيجية لها مقرين في لندن ولاهاي، وسابقًا شغل منصب كبير المستشارين في مؤسسة مستقلة بأبو ظبي، وشغل منصب كبير الأساتذة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن @c_lemiere